أدب وثقافةالتاريخ والحضارة

من هو أبو نواس؟

لا يمكن لأي شخص يقرأ، أو يبحث عن الشعر العربي في زمن العباسيين أن لا يمر على أبي نواس، حيث كانت أبياته مرآة لحياة التحرر في عصره، ومثلت قصائده ثورة شعرية ومجتمعية، فهو تمرد على تقاليد الشعر المتوارثة، وأصبح أبو نواس أعظم وأهم شعراء الخمر العرب، غير قصائده في الغزل التي ميزتها تهتكها، وشاعر الصيد الذي لا يستطيع آخر مجاراته، واختتم حياته بالتوبة لينتج أبيات في الزهد لا تقل رقة أو جمال عن باقي شعره

مولد ونشأة أبي نواس

يعتبر الشاعر الفذ السابق لعصره أبي نواس، مزيج عربي فارسياً حيث كان أبوه عربياً من دمشق وهو من أكسبه لقب “الدمشقي” في نهاية اسمه، من عشيرة الجيزاني، وكان أحد جنود الخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد، بينما الأم فارسية اسمها جلبان من الأحواز، وهي ما نمت وعمقت داخل الشاعر التعصب للفرس، و”أبو نواس” ليس اسمه، وإنما لقب للشاعر، فاسمه الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن صباح الحكمي المذحجي، وولد في مدينة الأحواز العربية في إيران عام (145ه – 762م)، وكان يلقب قبل أبي نواس بـ”أبي علي” ثم ما لبث أن تغيرت بـ”أبي نواس” والتي أطلقها عليه أستاذه خلف الأحمر.

كان الانتقال الأول لأبي نواس من مسقط رأسه في الأحواز بعد هزيمة الجيش الذي قاتل فيه والده في معركة الزاب الأعلى، إلى مدينة البصرة وكان عمره 6 سنوات، وبعدها بفترة وجيزة توفي أبوه وهنا تولت أمه زمام تربيته وأدخلته الكتاب، ثم عمل بمحل عطارة، وبعد قيام دولة العباسيين توجهت به إلى الكوفة.

تعليمه

بذرت بذور الشعر الماجن عند أبي نواس في الكوفة عندما تتلمذ على يد كوكبة من فطاحل شعراء هذا اللون الشعري مثل والبة بن الحباب الأسدي الكوفي الذي اهتم بتعليم ابن هانئ، ومطيع بن إياس وحماد عجرد، ولذلك كان من الطبيعي أن يكون أبو نواس امتداداً لمدرسة المجون والخمريات في الشعر.

ولم تكتفي والدته أن تعلمه على يد هؤلاء، ولكنها أرسلته إلى البادية حيث اللغة النقية التي لم تؤثر فيها الكلمات الدخيلة، وكانت وجهته إلى بادية بني أسد، فتعلم هناك العربية لمدة عام كامل، ثم استقر مرة أخرى في البصرة من أجل أن يتتلمذ على يد شيخ اللغة خلف الأحمر، وكان معلم جاد كان له الفضل في تكوين الشاعر وإبداعاته الأدبية، ولم يسمح له بنظم الشعر إلا بعد حفظ كوكبة من أشعار السابقين عليه وعن ذلك يذكر أبو نواس نفسه أنه لم يقل الشعر إلا بعد حفظ دواوين 60 شاعرة منهن الخنساء وليلى الأخيلية، وكان بعد حفظ كل ديوان يطلب منه نسيانه حتى لا تتأثر أشعاره بما حفظه من الشعر.

وامتدت معارف الشاعر أبو نواس علوم أخرى، فلم يتوقف عند الشعر والأدب، فهو كان يعلم أحكام الفقه والحديث وطرقه، وعلوم القرآن، والاختلاف بين المحكم والمتشابه وبين الناسخ والمنسوخ، بحسب ما كتبه صاحب كتاب “طبقات الشعراء” ابن المعتز.

كانت الإنتاجات الأدبية الأولى لأبي نواس في مدينة البصرة، وهناك كانت حادثته الشهيرة مع الجارية جنان، وأبيات الشعر الرقيقة التي كتبها فيها، وبدأت تظهر ملامح الشعر المميزة لدى ابن هانئ من الحديث عن الخمر والتغني بمناقبه، ووضعه فوق أي شيء آخر، ولكن كان هدف الشاعر هو الوصول إلى حاضرة العباسيين ومقر حكمهم بغداد، حيث يلمع أسماء الشعراء وتذيع شهرة كل منهم هناك.

أبو نواس والرشيد

شد ابن هانئ رحاله إلى بغداد وهناك اتصل بالخليفة العباسي الشهير هارون الرشيد، وتقرب إلى وزرائه من البرامكة، وهي الأسرة الفارسية التي تولت الوزارة في عصر الرشيد، ولعل تعصب ابن هانئ للفرس والشعوبية التي ظهرت في شعره كان سبب تقارب الجانبين، ومدح الشاعر البرامكة بعدة قصائد، بينما تباينت علاقته مع هارون الرشيد بين الشد والجذب فتارة يحصل على منزلة رفيعة عند الخليفة بسبب أشعاره في مدحه، وتارة أخرى تكون أبيات شعره الإباحية والجريئة في الغزل والخمر سببا في أن يصبح حبيسا داخل سجون الرشيد، وفي إحدى المرات زادت مدة حبسه حتى تدخل البرامكة، وتوسطوا عند الرشيد من أجل الإفراج عن ابن هانئ، وظلت علاقة ابن هانئ والرشيد ما بين مجلسه ومحبسه.

واشتهرت علاقة الرشيد والشاعر بكثرة النوادر واللطائف التي دارت بين الرجلين، والتي جمعها الكاتب في كتاب أبي نواس في نوادره وبعض قصائده، ومنها عندما جاء الخليفة بالشاعر ليقول قصيدة في جاريته خالصة، وعندما تغافل الرشيد عن العطاء إلى ابن هانئ في الوقت الذي قدم عقداً لجاريته، فنقش على باب الجارية تلك العبارة “لقد ضاع شعري على بابكم”، كما ضاع عقدٌ على صدر خالصة، وعندما غضب الخليفة حول ضاع إلى الفعل “ضاء”، وعندما سأله قال له كتب مدح، وطالب الخليفة بإعادة القراءة فوجده حول الأبيات، فضحك وأعطى أبو نواس كيساً من الدنانير، وربما تلك الطرائف أنجت ابن هانئ كثيرًا من غضب الرشيد، فمثلاً في إحدى المرات سأل الخليفة أبي نواس وهو حامل للخمر عن ما في يده فأجابه لبن، وعندما سأله عن لونه الأحمر قال أنه بسبب خجله من الخليفة فعفا عنه، وغيرها من المواقف الطريفة بينهما.

وكتب أبو نواس في الرشيد ثلاث قصائد في مدحه الأولى هي عند استعداد الرشيد لغزو الدولة البيزنطية وتجهيز الجيش إلى المواجهة العسكرية مع أحد أشهر القادة الحربيين للبيزنطيين وهو نقفور، والمرة الثانية كانت القصيدة المسماة الهمزية، وهي تعد من أروع ما كتب الشاعر، ومن أيقونات شعر المدح في العصر العباسي، ويذكر المؤرخون أنها كتبت أثناء الإعلان عن ولي العهد الثالث أبي القاسم بعد كل من الأمين والمأمون، والثالثة كانت بعد استحداث الرشيد قلنسوة يضعها على رأسه، ونقش عليها جملة “غاز حاج” حيث اشتهر عن الخليفة أنه يحج عامًا، ويغزو عامَا وتغنى الشاعر داخلها في العديد من الأبيات بالعدل الذي ساد عصر الرشيد.

كانت اللحظة الفارقة في تاريخ الشاعر، عندما قام الرشيد بما يسمى في التاريخ نكبة البرامكة، وكان من المقربين إليهم، فهرب أبو نواس من العراق إلى دمشق في سوريا ثم إلى مصر، واستقر الشاعر في العاصمة المصرية الفسطاط، وهناك تعرف على الخصيب بن عبد الحميد عامل الخراج في ولاية مصر، والذي أحسن استقبال ابن هانئ ولذلك قال قصائد بديعة في مدحه.

أبو نواس والأمين

ظل يعيش ابن هانئ في مصر باقي خلافة الرشيد حتى ابتسم له الحظ مرة أخرى عندما تولى عرش العباسيين أحد تلاميذه وهو محمد الأمين، وبمجرد تنصيبه خليفة حتى عاد إلى بغداد، وبعض المؤرخين مثل الطبري يتحدث عن عودة أبو نواس قبل ذلك في عصر الرشيد بوساطة من الفضل بن الربيع، وأن بعض قصائد مدحه العظيمة مثل القصيدة الهمزية ألقيت بعد نكبة البرامكة بعامين.

أصبح الشاعر نديم الخليفة يجالسه يومياً ويلقي عليه أبياته، وعلى عكس العلاقة بين ابن هانئ ووالد الأمين حيث كان الشاعر يجتهد في إصلاح شكله أمام الخليفة، وكان الأخير يعاقبه على مجونه، كان الأمين نسخة من أخلاق أبو نواس، بل تتحدث الروايات التاريخية أن الأمين كان يغضب من أبي نواس إذا غاب عن مجلسه لعدة أيام حيث كانت الحانات ملاذ الشاعر وبيته الثاني وأحيانًا يرسل من يبحث عنه عندما يفتقده.

مدح الشاعر الأمين بأكثر من قصيدة، وأثنى في أحدهما والدته السيدة زبيدة، وهي كانت المدبرة الحقيقية لشؤون الدولة، ولكن لم يترك الأرشيف السيئ من شعر المجون ابن هانئ يتمتع بالقرب من الخليفة، حيث أصبح إحدى دوائر الصراع بين الأمين والمأمون، وأصبح مادة يستخدمها أنصار المأمون ضد الأمين، بل ووصل الأمر إلى التنديد بمرافقة الشاعر للخليفة من على المنابر، فأصبح السجن مصير ابن هانئ من جديد، ولكن كما دافع البرامكة عنه في عصر الرشيد، كانت وساطة الوزير الفضل بن الربيع شفيعة عند الأمين، وظل نديم الخليفة على وفائه له، وبعد وفاته قدم رثاء اشتمل على أبيات بليغة عن الأمين.

وفاة أبو نواس

اختلفت الروايات حول وفاة أبي نواس، ولكنها اتفقت على حدوثه قبل دخول الخليفة المأمون إلى بغداد وتغلبه على أخيه الأمين، ويحددون عام (199ه – 813م)، وبعض الروايات تتحدث على أنه مات حبيسًا في السجن، والبعض الآخر يرجع أنه توفي قتيلاً في داخل منزل أحد الوجهاء المسمى إسماعيل بن نوبخت، والذي دس له السم بسبب لسانه اللاذع وهجائه السيئ، وأورد المؤرخ البغدادي الذي كتب في سابع أجزاء كتابه عن دفن الشاعر غربي عاصمة الخلافة الإسلامية في مدافن تسمى الشونيزية وموقعها الآن هي مدافن الشيخ معروف بالقرب من أحد تلال المدينة يدعى تل اليهود.

معالم باسم الشاعر

يظل أبو نواس، حيًا داخل أحياء بغداد، حيث تجد شارع أبي نواس الذي ظهر إلى الوجود بعد قرون من وفاته وتحديدًا في عام 1934، ويطل على نهر دجلة، في واحدة من البقاع العتيقة في بغداد، والتي كانت تشهد يومًا ما على حياة الشاعر العظيم، ويتشابه سلوك الشارع مع سلوك صاحبه، فكما كان يحب الشاعر الليل ومجالس السمر، فيبدأ نشاطه من بعد المغرب، ويقدم لمرتاديه عشاءً شهياً من السمك المشوي والذي يسمى المسكوف، والمطهو على الوصفة العراقية، ويمتد من بين جسري الجمهورية والجسر المعلق في الكرادة، ويوجد داخل الشارع تمثال أبو نواس وهو من تصميم الفنان العراقي إسماعيل فتاح الترك في العام 1972، وجسده الفنان جالسًا ويحمل كأس الخمر الذي افتتن به في أشعاره، ويوجد في الشارع تمثال شهرزاد وشهريار وهما من صناعة الفنان محمد غني حكمت عام 1972، ويقابله على الضفة الأخرى القصر الجمهوري الذي حكم البلاد طوال عصر صدام حسين.

ولا يمكن أن نغفل حديقة أبي نواس وتبلغ مساحتها 2.5 كيلومتر، وتبدأ من جسر الجمهورية حتى تصل إلى نهر الكرادة وأحد الجسور الشهيرة القائمة عليه وهو جسر 14 تموز، ولم يقف تخليد اسم أبي نواس على مدينته المحببة بغداد، بل تعدى تكريمه الكرة الأرضية نفسها؛ لأنه في عام 1976 أطلق اسم الشاعر على أحد براكين كوكب عطارد.

نفسية أبي نواس

يمكن وصف نفسية أبي نواس بأنه شاعر هوائي ومزاجي من الدرجة الأولى، كان يعشق الضحك والمرح، ولكن بداخله العديد من المشكلات النفسية، وكان يتخذ عدة طرق للهروب من تلك المشكلات، ومنها حياة المجون التي تملى بها أشعاره، وكان يعتقد أنها شفاء من أوجاع المعيشة، وهو نفس ما دفعه إلى الخمر حيث استخدمها كمخرج من أزماته النفسية ومتنفس لمشكلاته مع الجنس اللطيف، مما أوصله في النهاية إلى فلسفة المغفرة من الخالق.

الشعوبية وأبو نواس

أبو نواس والشعبوية
أبو نواس والشعبوية

تأثر أبي نواس بوالدته الفارسية، وكان تأثيرها عميقاً، حيث لم يكن شعره مجرد فن أدبي، ولكنه رأي سياسي حيث انضم الشاعر إلى موجة الشعوبية في الدولة الإسلامية أثناء عصر الخلفاء العباسيين، والشعوبية بدأت كمذهب سياسي نتيجة لسياسات الدولة الأموية التي همشت من دور غير العرب واعتمدت على العصبية العربية، ومع خلافة العباسيين واعتماد مفجر ثورتهم أبو مسلم الخرساني على غير العرب بدأت الشعوب العربية تطالب أن تتساوى مع غير العرب، ثم وصلت إلى المناداة بأن غير العرب أفضل من العرب خاصة أصحاب الحضارات القديمة مثل الفرس، وأن العرب أقل منزله منهم، وهي الحركة التي عبرت عنها بجلاء أشعار أبو نواس، فكانت له آراؤه عن الشعر العربي القديم، حيث كان يسخر منه ومن تقاليد العرب المتوارثة، كما انتقد العقلية العربية الجامدة وبأنه عقل بدوي في ظل ركب الحضارة التي ظهرت في عصر الخلفاء العباسيين.

وظهرت تلك الشعوبية داخل شعره في العديد من الأشكال، ومنها إدخال الكلمات غير العربية في أبيات القصائد التي يكتبها، للتقليل من شأن لغة الضاد، ولم يكتف بذلك، بل تجاهل الأساليب التقليدية لشعراء العرب، وبنى كثير من القصائد على طريقة التخاطب.

كما تهكم أبو نواس على ما قام به شعراء الجاهلية من ذكر الأطلال، وأن يبكوا على من يحبون، واستبدل الجثث المتحللة بوصف الخمر، وبقايا الدور الخربة التي تعبث بها الرياح بوصف مجالس الخمر، ووجدها أنها تستحق التأمل أكثر من تلك الأطلال.

ويدل ذلك بوضوح أن الشاعر يحب عمليات الجدل والنقاش، ويقوم بعرض وجهات نظره، ويسرد الأدلة والبراهين التي تدحض من أدلة منتقديه، وكان يقوم بتلك المهمة بعبقرية نادرة، رغم أن تلك الحرب الكلامية أراد منها الشاعر غطاء عقلياً ومنطقياً لتبرير رغباته وشهواته، والعقل السليم المؤمن بوجود الخالق لا يتقبل الانحرافات الأخلاقية التي يحاول الشاعر أن يقدم لها مبررات.

أبو نواس شاعر الخمر

كانت الخمرة إحدى مسائل الخلاف في عصر أبي نواس، حيث أباحها بعض الفقهاء وحرمها آخرون، وتحول الخلاف إلى صدام بين العرب والمنتمين إلى الشعوبية من الشعوب غير العربية التي تعيش تحت مظلة الدولة الإسلامية، حيث كان مدخل ابن هانئ في أشعاره عن الخمر سياسياً ناتجاً عن التعصب إلى الشعوبية التي روجت للخمر على أنها مظهر من مظاهر العصر، واستخدمها الشاعر كسلاح للتقليل من شأن العرب سواء في عاداتهم الدينية أو الاجتماعية أو الثقافية، وفي الجانب الشعري استخدمت الخمر كأحد أشكال الثورة والتمرد ضد بنية القصيدة العربية التقليدية، وأصبحت بديلاً عن البكاء على الأطلال.

واختلف تناول أبو نواس عن جوهر الخمر عن كبار الشعراء السابقين عليه مثل الأخطل والأعشى، فكانت بالنسبة لهم مجرد طريقة يصلون بها إلى السعادة فقط، ولكن بالنسبة للشاعر جسدها كأنها روح حية، وتعددت مظاهر الحياة داخل الخمر عند ابن هانئ، فمنها مظاهر خارج جسد الإنسان مثل غليان الخمر و فورانها وإضرام الخمر، بينما داخل الجسم فهي تجري في العروق وتنشط الجسم، وتحول العيون والخدود إلى اللون الأحمر.

كما تطرق أبو نواس إلى وصف ماهية الخمر، فهي كائن روحي أرجعه إلى ما أسماه علماء الفلسفة عالم الأفلاك، وهو يسمون عن الماديات وأدنى من الروحانيات، ووضع لها سمات مميزة فهي لطيفة وتشع ضوء، ونسج علاقة خاصة بين الخمر والروح تبدأ تلك العلاقة بالشعور ثم المناجاة حتى تصل إلى درجة العشق، حيث شبه جمالها بالجمال الذي وصفه الفيلسوف اليوناني أفلاطون.

وتعدى الشاعر في حديثه عن الخمر هذه المرتبة، بل وضع لها صفات مقدسة تكاد تصل بها لمصاف الآلهة، متأثرًا بأدبيات علماء الكلام المعاصرين له، حيث وضعها في منزلة أعلى من النار المقدسة عند الفرس، بل وأعلى من المعبودات البشرية، حتى وصل إلى تسميتها بـ”أسماء حسنى” ووصفها بمواصفات ليس لها شبيه أو مثيل، ورسم لتقديسها طقوس خاصة وأصبح أحد الدعاة لها، ولم يجعلها متاحة لكل الناس، ولكن قصرها على من هو جدير بها فقط، ومن ليس كذلك مجرد اقترابه منها عن غير جدارة ذنب لا يغتفر.

شاعر الغزل

كان شعر أبي نواس في الغزل مرآة صادقة لحياته، وهي حياة تمتلئ بكل أصناف المتعة واللذات، متنوعة ما بين الخلفاء والوزراء واللصوص وقطاع الطرق وأصحاب الحانات، وكان غزله “إباحياً” حيث لا يتورع عن ذكر مفاسده، وكان يعلن عن شهواته ورغباته من غير استحياء، وعشق كل ما هو جميل، ومن المفارقات أن أبو نواس كان يعشق الجنسين الفتيات والفتيان حيث تغزل في عدد كبير من الجواري مثلاً عريب وحسن ودنانير، وتغزل بالفتيان أيضًا ووصف جمالهم كما وصف جمال الفتيات، ولم يستتر من ذلك متعته بممارسة العلاقة معهم.

وتميز شعر أبي نواس في الغزل بالمكاشفة بالرذائل، حيث كان يحب أن يعيش المتعة بشكل كامل والتي كان يجدها في الكحوليات أو النساء أو الرجال، حيث كان يميل جنسيًا إلا كلا الجنسين، وكان أبو نواس مرهف الإحساس في غزله، وكانت أبياته لطيفة وعذبة، وكانت أبرز قصص عشقه عن الجارية جنان، وهي كانت جارية لشخص يدعى عبد المجيد الثقفي، وكانت تتسم بجمال وثقافة وشعر، ولكنها كانت ترافق النساء فقط وكانت متدينة، وولع بعشقها واشتهرت قصائده عنها، بل أدى فريضة الحج عندما علم أنها ستخرج إلى الحج، ورغم ذلك رفضته وكانت تصفه بالكذب، مما جعل أهلها في النهاية يحجبونها عنه ويرسلوها إلى مدينة أخرى، فأصبح يسأل كل القادمين من تلك البلدة عنها، ووصل الأمر أن أصحابها قبلوا أن يعطوها له، ولكنها رفضت الزواج منه واشترطت أن يتوقف عن الشذوذ وهو ما لا يستطيع الشاعر أن يعد به.

ولم تكن أبيات شعر أبي نواس كلها في الغزل ناتجة عن تجاربه الشخصية، بل كانت أحيانُا تروى عن تجارب لأشخاص آخرين مثل الخلفاء، فيروي أن إحدى الجواري من ما ملكت يمين الخليفة هارون الرشيد في حالة سكر حتى تكشف أجزاء منها، فطلب الخليفة منها أن تذهب للفراش معه فأجابته أنها ستفعل الصباح، وعندما ذهب إليها الصباح قالت له كلام الليل يمحوه النهار، فطلب من الشعراء إلقاء أبيات تنتهي بـ”كلام الليل يمحوه النهار”، فألقى ابن هانئ أبيات تجسد الواقعة بكل تفاصيلها.

شاعر الصيد

حول أبي نواس رحلات الصيد إلى مطاردات من أبيات الشعر، بل باتت أحد الفنون الشعرية المنفصلة، حيث رسم الشاعر بكلماته رحلات المطاردة والبحث عن الحيوانات المفترسة، وصنعت قصائده صور حية من الحيوانات التي يصطادها الصيادون في عصره والأدوات المستخدمة في رحلاتهم، ووجدنا في قصائده وصفاً تفصيلياً لحيوانات الصيد مثل الكلاب وطيوره مثل الصقور والبزاة، وكان لمصاحبته أمراء وخلفاء البيت العباسي دور كبير في ذلك، حيث اصطحبوا أبا نواس معهم في رحلات صيدهم، وتميزت كتاباته عن الصيد بالصور شديدة الدقة التي أبدعها شعره.

شاعر المدح

اقتفى الشاعر طريقة الشعراء القدامى في المدح خطوة بخطوة، حيث تشابهوا في بحور الشعر المستخدمة، واختيار الكلمات الرصينة.

رتّب أبو نواس قصائد الغزل ببنية قدامى الشعراء، حيث استهل أبيات القصيدة بالتغزل في النساء، ورغم البيئة الحضارية في البصرة أو بغداد، إلا أننا نجده ينتقل إلى وصف حيوانات الصحراء مثل الإبل، ورغم تمسكه بالشكل المتوارث وعدم التجديد، إلا أنه أبدع في الأسلوب والتصوير والبنية المترابطة للقصيدة، حيث لا تقل قصائده عن ما كتبه فحول الشعراء من المادحين، وكانت قصائده العظيمة ما قاله في مدح كل من الخليفة هارون الرشيد وابنه محمد الأمين، وعدد من كبار رجال دولتهم مثل الوزير جعفر البرمكي وأولاده، في عصر الرشيد، والفضل بن الربيع في عصر الأمين.

شاعر الزهد

تتعلق أبيات أبي نواس عن الزهد بما قيل عن توبته قبيل وفاته، وفي هذا اللون قصيدة شهيرة قالها أثناء قيامه بأداء فريضة الحج عام 190 ه، أي قبل وفاته بـ9 سنوات، عبارة عن مناجاة للخالق، بل ووصل به الحال أنه قال أبيات يتحسر فيها على وقت الشباب الذي أفناه في السعي خلف الشهوات والخمر، وتميز شعر الزهد لديه بعدة خصائص، ومنها في الكلمات أنه شعر رقيق وعذب، وفي الألفاظ والصور تميز بأنه صادق يخرج من القلب وتأثيره القوي على المستمعين، حتى إن قصيدته أثناء الحج رددها كل من سمعها خلفه.

قصة رؤية أصحابه له في المنام

روى بعض أصدقاء أبي نواس أنهم شاهدوه في المنام، وسألوه عن مصيره مع المولى عز وجل، وتعددت روايات إجابته لهذا السؤال، فتتحدث رواية أنه قال إن ذنوبه غفرت بسبب أبيات تظهر عظمة الخالق في نبات النرجس، وكيف أن هذا المخلوق البديع يدل على أن الله ليس له شريك، بينما تتحدث رواية أخرى بأنه أشار للنائم أن الأبيات التي تسببت في المغفرة توجد أسفل مكان نومه، وعندما ذهب وجد ورقة كتبت بيده فيها عدة أبيات افتتحها بالبيت الشهير “يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة، فلقد علمت بأن عفوك أعظم”.

ديوان أبو نواس

يعتبر ديوان أبي نواس من أكثر الآثار أهمية في تاريخ الأدب هو الديوان الذي خلفه الشاعر، والذي اجتهد عدد من المتخصصين في المجال الأدبي بتجميع الديوان من متفرقات قصائده، وتعدد الجامعون القدامى والنسخ الحديثة للديوان، ومنها ما قام به الصولي “ت 338 ه – 946م” حيث ظهرت 10 فصول من أبيات ابن هانئ داخله، وقام حمزة بن الحسن الأصفهاني بعمل ديوان أكبر وأكثر قصائد، ولكن تدقيقه أقل من سابقه، بينما كتب المهلهل بن يموت بن مزرد الذي عاش في “332 ه -943 م” مما يدل أنه عاصر الصولي رسالة بليغة جمعت شعر ابن هانئ وسماها سرقات أبي نواس.

بينما في العصر الحديث صدرت عدة طبعات من ديوان الشاعر أبو نواس، سواء أصدرتها دور النشر المصرية أو اللبنانية، وتعتبر من أحدثها نسخة بيروت التي أصدرتها دار الكتاب العربي، وتتميز بتقديم شيق من أحمد عبد المجيد الغزالي تحدث خلالها عن حياة الشاعر والبيئة التي ترعرع فيها، كما دقق الديوان وقدم شرحا وافياً لأبياته، وفهرس القصائد في نهايته على الترتيب الأبجدي، وقسمه إلى 8 أجزاء تشمل ألوان الشعر التي برع بها ابن هانئ سواء أشعاره في الخمر أو التغزل أو قصائد مدحه في الخلفاء وكبار رجال الدولة، وهجاؤه على المختلفين معه في عصره، واحتوى على قصائده البديعة عن الصيد، كما شمل مرثياته وما كتبه في الزهد وأخيرًا أبياته في العتاب.

آراء الرواة عن شعره

اعتبر الرواة شعر أبي نواس من أعظم ما كتب في العصر العباسي، ومن هؤلاء أبو عبيدة معمر بن المثنى الذي كان معاصرًا له، وقال عنه أنه في اليمن أفضل شاعر في القدامى أمرؤ القيس وفي المعاصرين أبي نواس، بينما جعل عبيد الله بن محمد بن عائشة شر أبي نواس من الضروريات لكل متعلم للأدب، وأنه لم ينته من دراسته إذا لم يمر على أشعاره، ولقبه الإمام الذهبي بـ”رئيس الشعراء” وأشاد بحفظه رغم قلة ما كتب، وأشعاره سواء في الغزل أو الخمر، بل إن الإمام الشافعي قال إنه يمكن أن يتتلمذ على يديه لولا شعره في الإباحي، ويصنف ابن هانئ من أفضل 3 شعراء من أصول يمنية وهم هو وامرؤ القيس وحسان بن ثابت، بينما يقول عن نفسه أن أبياته عن الخمور لم ينظم أحد شبيها لها، وأبياته في العزل أفضل مما قاله الشعراء الآخرون، وأفضل ما قاله هي أبياته عن الصيد.

أبو نواس
أصول أبو نواس العرقية

المراجع:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى