التاريخ والحضارة

أسماء الخلفاء الفاطميين

تعتبر الخلافة الفاطمية هي الخلافة الوحيدة التي قامت على أساس المذهب الشيعي، ويعود سر تسمية الخلفاء الفاطميين بـ”الفاطمية” نسبة إلى بنت الرسول “صلى الله عليه، وسلم” فاطمة الزهراء زوجة الإمام علي بن أبي طالب، وضمت مساحة جغرافية واسعة من المحيط الأطلسي وحتى أطراف بلاد الشام وحتى اليمن جنوبًا وشمالاً حنى جزيرة صقلية.

وتعود أصول الدولة الفاطمية إلى الفكر الشيعي، حيث انقسم الشيعة حول الإمام الذي خلف جعفر الصادق، حيث اعتبر البعض أنه الإمام موسى الكاظم وأبناؤه حتى الإمام الثاني عشر محمد المهدي الذي قالوا إنه اختفى وسيظهر في آخر الزمان وسموا بـ”الإمامية الاثني عشرية“، والفرقة الثانية رأوا أن الإمامة في ابنه إسماعيل، والذي جاء من نسله الخلفاء الفاطميين، وحرص الأئمة الإسماعيلية على نشر دعوتهم في الأقاليم البعيدة عن قبضة العباسيين مثل اليمن والمغرب، ولكن نجح الأغالبة حكام تونس الحالية في قتل داعيا الإسماعيلية الحلواني وأبي سفيان، مما جعل الداعية في اليمن ابن حوشب يرسل الداعي الآخر أبا عبد الله الشيعي إلى المغرب، والذي تحول للعمل العسكري بعد ثلاثة أعوام من توليه المهمة سنة 291 ه -903م ومهد الأرض للخليفة عبر قبيلة كتامة المغربية التي تشيعت.

قائمة أسماء الخلفاء الفاطميين

عبيد الله المهدي

كان عبيد الله المهدي هو أول الخلفاء الفاطميين، وكان في البداية أحد أئمة الإسماعيلية المستورين في سلمية بمدينة حمص، وبعد نجاح الداعية أبو عبد الله الشيعي في استمالة بربر كتامة حارب الأغالبة وأزال دولتهم، ثم دعا الإمام للقدوم، وبالفعل توجه إلى سجلماسة وهناك حبسه حاكمها الخارجي، حتى جاء أبو عبد الله الشيعي وحرره، وفي سنة 296ه أسقط الدول المسيطرة على بلاد المغرب العربي مثل دولة بني مدرار في سجلماسة، والدولة الرستمية في تاهرت، ودولة الأغالبة في إفريقية، وأطلق سراح عبيد الله المهدي، ولقب المهدي بالخليفة وأمير المؤمنين.

شكك كل من الخلافة العباسية في بغداد والأموية في قرطبة في الطعن في نسب الفاطميين، وهو الجدل الذي لم ينجح المؤرخون في حسمه حتى الآن، بل ويرجح البعض أن هذا الموضوع الشائك كان سراً بين عبيد الله المهدي والداعي أبي عبد الله الشيعي.

وكان أول قرار اتخذه الخليفة هو قتل أبو عبد الله الشيعي نفسه، وأنشأ عبيد الله المهدي حاضرة الفاطميين في المغرب مدينة المهدية، وحصنها بقوة، تصدى لعدد من الثورات كان أبرزها ثورتي تاهرت وسجلماسة الخارجيتين ضده، ونجح الجيش الذي كان بقيادة ابنه أبي القاسم من الاستيلاء على قلاع الإباضية والصفرية، ثم ثورة بربر كتامة أنفسهم ضده بعد مقتل أبو عبد الله الشيعي، وهي كانت أشرس الثورات واخمدها بقيادة ابنه أبو القاسم.

كما اصطدم الخليفة المهدي بحكم الأمويين في الأندلس، واستقطب الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر قبيلة زناتة المغربية المعادية للفاطميين، ودارت معارك بين المهدي والقبيلة انتهت بهزيمة جيش المهدي، كما استولى على سبتة، حتى أعادها المهدي لسلطانه عام 321 ه-933 م، ولم يقتصر العداء عند هذا الحد، بل هاجم الأمويين سفن الفاطميين، وهاجم الفاطميون المدن الأندلسية مثل المرية.

الخليفة القائم بأمر الله

كان الخليفة القائم بأمر الله الفاطمي، هو ثاني الخلفاء الفاطميين وتولى الخلافة عام 322 هجرياً بعد وفاة أبيه عبيد الله المهدي، وكانت أول أعماله هي محاولة ضم مصر ووصوله حتى الإسكندرية، ولكنه هزم من الإخشيديين حكام مصر، وقام بمد نفوذ الفاطميين إلى جزيرة سردينيا الإيطالية في عمق المتوسط ومدينة جنوة، وواجه جيش الفاطميين ثورة في طرابلس بسبب تذمر أهلها من الوالي وبطشه، وقاموا بطرد عامل الفاطميين وقتل كل من اعترض طريقهم، ولم تستطع قوات الخلافة بريًا وبحريًا القضاء على ثورتهم، حتى حاصرت المدينة مما اضطر الأهالي لطلب الأمان من الخليفة، وهو ما فعله بعد أخذ وجوه أهلها كرهائن، لكن أبرز ما واجهه هي ثورة الخوارج بقيادة أبي يزيد مخلد بن كيداد، والتي ظلت حتى أواخر عصره ولم يستطع وقفها، ونجح في تشكيل حكومة خالصة من العرب، ودخل مدينة القيروان عام 323 ه- 946 م واستولى على رقادة وباجة.

الخليفة المنصور بنصر الله

كان المنصور بنصر الله ثالث الخلفاء الفاطميين، وتولى الخلافة بعد وفاة والده الخليفة القائم بأمر الله، ولم يحكم كثيرا وكانت الدولة في عصره تواجه ثورة ابن كيداد، والتي نجح بعد توليه الحكم في فك الحصار الذي فرضه ابن كيداد على مدينة سوسة، وكانت المعركة الفاصلة بين الطرفين بالقرب من القيروان، وانتصر فيها المنصور وبنى مدينة تخلد انتصاره تسمى المنصورية، ثم تعقبه وأعاد ولاء قبائل صنهاجة مرة أخرى لدولته، وظل يتعقبه حتى مدينة بسكرة، ثم أعد حملة أخرى لمهاجمة الجبال المتحصن بها، وفي النهاية جاء به إلى المهدية وصلب على أسوارها.

الخلفاء الفاطميون في مصر

توالت حملات الفاطميين لضم مصر إلى دولتهم، والتي بدأها مؤسس الدولة عبيد الله المهدي بحملتين عام 301 ه -913م – 302ه -914م، وحملة عام 307 ه -919م – 309 ه، والتي نجح في هزيمتهم القائد العباسي مؤنس الخادم في عصر الخليفة العباسي المقتدر بالله، وهو النهج الذي اتبعه خليفته الخليفة القائم بأمر الله الذي سير حملة عام 323ه -934م في عهد وردها محمد بن طغج الإخشيد قائد الخليفة العباسي الراضي بالله، ولكن الوضع المضطرب في المغرب لم يسمح بإرسال حملات جديدة إلا في عصر الخليفة المعز لدين الله سنة 358هـ من خلال حملتهم الرابعة عبر الحملة التي قادها جوهر الصقلي، والتي أعقبتها وصول المعز لدين الله إلى مصر سنة 362 ه، وتحويله لمقر الخلافة.

المعز لدين الله

المعز لدين الله أحد الخلفاء الفاطميين
المعز لدين الله أحد الخلفاء الفاطميين

يعتبر المعز هو رابع الخلفاء الفاطميين، بلغت في عصر خلافته الدولة الفاطمية أقصى اتساع لها في شمال أفريقيا، إلاّ أن أبرز ما قام به المعز هو دخوله إلى مصر، ونجح في تجميع جيش ضخم على رأسه جوهر الصقلي لفتح مصر، وتغيير المذهب الرسمي لها من السني إلى الشيعي الإسماعيلي، صاحب دخول المعز لدين الله إلى مصر العديد من التغييرات الحضارية، وكان أبرزها بناء القاهرة والبدء في بناء الجامع الأزهر، واتبع المعز سياسة التسامح الديني، ونتج عن هذا التسامح بناء أيقونتي العمارة القبطية وهم الكنيسة المعلقة وكنيسة أبي مرقورة.

وسع المعز دولته بضم جنوب بلاد الشام ومنها غزة ودمشق، واعترف الحمدانيون في حلب بخلافة الفاطميين، وحدث أول صدام مسلح بين الفاطميين والقرامطة، رغم كونهما ينتميان لمذهب واحد، واستولى القرامطة على دمشق وحاولوا مهاجمة مصر مرتين، ولكنهم فشلوا في ذلك.

الخليفة العزيز بالله

كان خامس الخلفاء الفاطميين، وابن الخليفة المعز لدين الله، وفي عصره وطد أركان الدولة الفاطمية في مصر، وخارجيا أكد سيطرة الفاطميين على سوريا الوسطى والجنوبية، ثم ضم لها إمارة حلب، واعتبرها هي المفتاح إلى العراق التي بها بغداد عاصمة الدولة الإسلامية، كما تصدى لمحاولات البيزنطيين لاسترجاع الشام منذ عام ٣٥٤ ه- ٩٦٥م.

كان الأثر الأكبر الذي أحدثه العزيز بالله داخلياً في أنظمة الدولة، حيث قام بإصلاح الجيش ليصبح متعدد الجنسيات، وأدخل فيه قوات من الأتراك والديلم، ونظم مصر إدارياً وكان أول من اتخذ الوزراء وطور القاهرة عمرانيا، حيث بنى القصر الغربي الصغير وجامع الخطبة.

الحاكم بأمر الله

كان أكثر العصور الذهبية للدولة الفاطمية في مصر، رغم امتلائها بالتناقضات هو عصر الحاكم بأمر الله، ويعد الحاكم ابن الخليفة العزيز بالله، وكان الحاكم في بداية حكمه طفلاً تحت وصاية برجوان، وأثناء وصايته حدث تنافس شديد بين البربر والأتراك داخل الجيش الفاطمي، ثم قتل الحاكم برجوان بمساعدة ريدان الصقلبي حامل المظلة.

بدأ بعد قتل برجوان الحكم الفعلي للحاكم بأمر الله ويمكن تقسيمه لثلاث فترات، تبدأ بفترة الاعتدال منذ عام 390 ه -1000م، والتي حاول فيها أن يكون توافقيًا ويكسب ود الجميع، وشهدت إنشاء مساجده الكبرى مثل الجامع الأنور الذي يقبع حاليًا في شارع المعز لدين الله الفاطمي وسط القاهرة ومسجدي راشدة والمقس، انتهت باندلاع ثورة أبي ركوة 395 ه-1005م، وتأتي الفترة الثانية من حكمه عندما تقرب من أهل السنة الذين ساعدوه في التخلص من الثورة، فألغى سب الصحابة وأعاد رؤية هلال رمضان وعين علماء سنة في دار الحكمة “دار العلم”.

تعتبر المرحلة الثالثة من حكمه هي محط أقوال المؤرخين والعامة عنه، وتتسم باثنين من المظاهر الأول هو التشدد الديني مع جميع المذاهب المخالفة، وقائمة نواهيه الشهيرة، وسلسلة قتل رجال الدولة ويرى بعض المؤرخين القدامى مثل المقريزي والمسبحي والمحدثين مثل محمود عرفة أن الحاكم كان مختلاً عقليًا وغير متزن نفسيًا مثل أيمن فؤاد السيد في كتابه تاريخ الدولة الفاطمية في مصر.

وعلى الجانب الديني منع أهل الذمة من دخول حمامات المسلمين، ولبس السواد كانت عودة للعهدة العمرية، ومع ضرب النواقيس، بل وهدم الكنائس وكان أهمها كنيسة القيامة، بل وأمرهم بالإسلام أو الرحيل عن دولته، فدخل منهم الكثير في الإسلام مكرهين، وربما كانت تلك القرارات لما قام به الموظفون الكبار من أهل الذمة بظلم الناس وابتزازهم، وانقلب الحاكم على أهل السنة، فأمر بكتابة سب الصحابة على الحوانيت والمساجد، ثم تراجع عن قراره وأمر بإزالتها.

تعتبر نواهي الحاكم بأمر الله الاجتماعية من القرارات العجيبة التي قلما نجد لها مثيلاً في التاريخ الإسلامي، وإن وجد لها بعض المؤرخين المحدثين مبررات، بل وبعضها كانت إصلاحات حقيقية، فمثلاً أمر بمنع صنع النبيذ والفقاع، ومنعه أكل القرموط؛ لأنه سمك يعيش في البرك والمستنقعات ومنع النساء من الخروج إلى الأسواق والمآتم بسبب كثرة الاختلاط بين الجنسين في بداية عصره، وبعض القرارات الأغرب مثل تحريم الملوخية، بسبب أنها كانت وجبة معاوية بن أبي سفيان المفضلة، والجرجير لنسبته للسيدة عائشة، وتوجت تلك القرارات في نهاية عصره عندما ادعى الألوهية.

لا ينسى التاريخ للحاكم أنه من أنشأ دار الحكمة ومكتبها وهي التي جمعت العلماء طوال العصر الفاطمي، واستقدام علماء للقاهرة مثل الحسن بن الهيثم، اختفى الحاكم بأمر الله في إحدى المرات التي ذهب فيها لجبل المقطم، ويقال قتل بسبب مؤامرة دبرتها له أخته ست الملك مع كبار رجال الدولة، وعلى الصعيد الخارجي واجه الحاكم ثورة المعز بن باديس ضده، وواجه الدولة البيزنطية وقامت حروب بين الطرفين.

الظاهر لإعزاز دين الله

كان مشهد اختفاء الحاكم بأمر الله مذهلاً وعجيبا كما كانت حياته، والتي يرجعه البعض إلى أخته ست الملك، وبعد وفاته نصب الخليفة الظاهر لدين الله، ولكن كان الحاكم الفعلي هي ست الملك، وأول ما فعلته هو التخلص من ما ساعدوها في قتل الحاكم، ومنهم ولي العهد عبد الرحيم بن إلياس وغيره من المتآمرين، وانشغل الظاهر لدين الله عن الحكم وانصرف نحو الخروج للنزهة.

واعتمدت على الوزير خطير الملك أبي الحسين عمار بن محمد، وكبرت شؤون المملكة بنفسها حتى توفيت في ١١ ذي القعدة ٤١٣ ه- ٥ فبراير ١٠٢٢ م، بعد وفاتها تولى منصب الوساطة مجلساً مكوناً من كبار رجال الدولة الفاطمية مثل الشريف أبي طالب العجمي، الشيخ العميد محسن بن بدوس والشيخ نجيب الدولة أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي.

اختلفت سياسة الظاهر عن والده، فكان ميالا للهو وحب الغناء، فكان يخرج في نواحي عين شمس، ورخص شرب الخمر والفقاع وسماع الغناء، وسمح لليهود والنصارى الذين أسلموا مكرهين في عصر أبيه أن يعودوا لدينهم مرة أخرى، وسمح بأكل الملوخية وسائر أنواع الأسماك.

ضربت البلاد في عهده وباء في عام 415 ه- 1024م فماتت الناس والحيوانات في عهده، وأعتمد خارجياً على الدعاة الفاطميين في اكتساب أراضي جديدة، فأقام الديلم الخطبة الفاطميين في البصرة والكوفة والموصل، ونجح الداعي المؤيد في الله الشيرازي في إظهار الدعوة الفاطمية في شيراز وأرض فارس والأهواز، ولكن في الشام حاول أمرائها أن يستقلوا عن الفاطميين، ولكن نجح القائد الفاطمي أمير الجيوش أنوشتكين الدزبري في التصدي لهم، وأدت الحروب بينهم لاستقلال بني مرداس في حلب 415ه-1023م، ووقع اتفاقية هدنة بينه وبين البيزنطيين على أن تقام الخطبة للفاطميين في جامع القسطنطينية، ويرمم الفاطميون كنيسة القيامة وجميع الكنائس الخربة في مصر وألا يتعاون مع ملك صقلية ضد البيزنطيين.

المستنصر لدين الله الفاطمي

كان المستنصر هو سادس الخلفاء الفاطميين في مصر، وكان عصره هو آخر عصر لحكم الخلفاء الفعلي للدولة الفاطمية، نصب المستنصر خليفة للدولة الفاطمية وهو طفل لم يتجاوز السبع سنوات، وامتد حكمه ستين عاماً بدأت من عام (٤٢٧- ٤٨٧ه) وانتهت عام (١٠٣٦- ١٠٩٤م)، وحدث أول صدام بين الدولة الفاطمية وبين الخلافة العباسية، وأفقدت القاهرة عاصمة الفاطميين مكانتها كمدينة ملكية، ووصلت الإمبراطورية الفاطمية إلى أقصى اتساع لها في العشرين عاما الأولى من حكمه.

أوقف السلاجقة تقدم الفاطميون في الشرق، وحثوا العباسيين على القدح في نسبهم، وقام حاكم الزيريين بقطع كل صلة له بالفاطميين، وأقام الخطبة للعباسيين في إفريقية، واتفق السلاجقة مع الإمبراطور البيزنطي على قطع إمدادات القمح عن الفاطميين، مما أدى بالمستنصر لعقوبات منها إغلاق أبواب كنائس مصر والشام، وأمر قبائل بني هلال لغزو إفريقيا وهو ما عرف في الأدب الشعبي باسم السيرة الهلالية.

ونجح الفاطميون في تأييد ثورة بنو صليح في اليمن وبسطوا على اليمن وعمان، وبدأوا في نشر الدعوة الإسماعيلية في الهند على طول خط التجارة، ونجح داعي الدعاة المؤيد في الدين الشيرازي في مساعدة البساسيري في الخطبة للفاطميين في عاصمة الخلافة العباسية بغداد، حتى أنجد السلطان طغرلبك السلجوقي الخليفة العباسي، وأعاد النفوذ السني في العراق والشام.

بدأ حكم المستنصر بوزارة الوزير أبي القاسم علي بن أحمد الجرجرائي تسع سنوات من خلافة المستنصر حتى وفاته وكان الحاكم الفعلي للبلاد، ثم تحكمت والدة المستنصر في أمور الدولة، وحدثت فتنة بين العسكر الأتراك والسودان، أدت بانتصار الأتراك ونهب قصر الخليفة، وجاءت نقص مياه النيل وتحكم القواد بأقاليم مصر، وشهدت مصر أزمة اقتصادية، واستولى الجوع الناس، وأكلت الكلاب والقطط، وأكل الناس بعضهم بعضاً، واضطر المستنصر أن يبيع قره، وصار يجلس في قصره على حصير، فيما اصطلح المؤرخون على تسميته الشدة المستنصرية.

عصر الوزراء العظام

كان بدر الجمالي أول الوزراء العظام في مصر، حيث جمعت صلاحياته قيادة الجيوش والإدارة والدعوة، استدعاه الخليفة المستنصر من عكا من أجل أن يقضي على الاضطرابات في مصر، بعد الشدة المستنصرية، وتقسيم البلاد بين فرق الجنود المختلفة، فجاء إلى مصر ب١٠٠ سفينة محملة بالجنود الأرمن، وكان أول إجراءات بدر الجمالي بأنه قضى على قادة الفرق العسكرية في القاهرة بحادثة شبيهة بمذبحة المماليك، ثم حارب فرق الجنود المختلفة التي سيطرت على أقاليم مصر، وأعاد خطبة الفاطميين للحرمين

وتعد أعظم إنجازات بدر الجمالي هو إنشاء سور القاهرة وأبوابها، والتنظيم الإداري لمصر، وأصبح هو والوزراء من بعده هم الحكام الحقيقيون لمصر.

وشهدت أواخر فترة حكم المستنصر لمصر، ثورة الأوحد ابن بدر الجمالي ضد أبيه في الإسكندرية، والتي نجح بدر في وقفها، ثم تولى الأفضل شاهنشاه حكم مصر، وتوفي المستنصر بعد توليه بشهور.

المستعلي

كان عصر المستعلي هو أول انشقاق داخل طائفة الشيعة الإسماعيلية منذ قيام الدولة الفاطمية، وهو الانقسام الذي ظل حتى الآن، حيث تنص العقيدة الإسماعيلية على تولي الابن الأكبر للإمام مكان أبيه، لكن الوزير الأفضل ابعد الابن الأكبر للخليفة ويسمى نذار عن الحكم، ونصب بدلاً منه أخيه الأصغر المستعلي مخالفا لتعاليم الإسماعيلية، وهرب نذار إلى الإسكندرية، ولقب نفسه بالخليفة المصطفى لدين الله، ولكن تأييد الجيش للوزير أدى لفشل ثورة نذار وسيطرة الأفضل على مقاليد الحكم.

كانت ثورة نزار لها نتائج في انقسام الدعوة الإسماعيلية، حيث أيد دعاة اليمن والهند الخليفة المستعلي، بينما أيد الحسن الصباح داعية بلاد فارس نزار واعتبره الخليفة الشرعي، وأسس الإسماعيلية النزارية والتي نتج عنها طائفة الحشاشين أخطر الطوائف الإسلامية.

ونقل الأفضل الحكم من قصر الخليفة في القاهرة إلى دار الملك التي أنشأها في الفسطاط، ومعها الدواوين وغيرها من أمور الدولة، وكانت أبرز حملات الأفضل الخارجية هي حملته على الشام، حيث استغل النزاع بين أبناء البيت السلجوقي وخاصة بين تتش بن أرسلان وأخيه بركياروق، واستولى على مدينة بيت المقدس من حكامها من الأراتقة، وأدى الصراع السلجوقي – الفاطمي إلى نجاح الحملة الصليبية الأولى واستسلام حاكم المدينة الفاطمي للصليبيين، وسار الأفضل بجيش إلى المدينة، إلا أن الجيش الصليبي نجح في هزيمته.

الخليفة الآمر بأحكام الله

بدأ حكمه بوزارة الأفضل شاهنشاه، حيث شهد نهاية حكمه والذي تميز بإسناد الأفضل للكثير من الأعمال للنصارى، حتى وفاته، وفي عهده سقطت باقي مدن الشام من عكا ٤٩٧ ه -١١٠٧م، وطرابلس وجبيل ٥٠٢ ه -١١٠٩، وبيروت ٥٠٣ ه -١١١٠، وصور عام ٥١٨ ه -١١٠٢٤، بل ووصل الملك بلدوين ملك مملكة بيت المقدس الصليبية حتى الفرما واضطر الأفضل إلى مهادنة، وعندما شب الخليفة الآمر دبر مؤامرة لقتل الوزير الأفضل شاهنشاه.

تولى منصب الوزارة المأمون البطائحي وهو ثالث الوزراء العظام، كانت أبرز إنجازات المأمون هو إعادة الاحتفالات الفاطمية لسابق عهدها، حيث وصلت في عهده إلى الشكل الأخير التي استقرت عليه، وأنشأ دار الضرب لسك العملة، وسميت الدار الأمرية، وقام باستكمال إعمار القاهرة سواء خارج أسوارها أو داخله، وبنى الجامع الأقمر، حتى دبر الأمر مؤامرة قتله.

كان العصر الأخير في حكم الآمر تولى الحكم بنفسه، وكان أبرز ما يمثل حكمه هو توليته الراهب أبى نجاح بن قنا الأمور المالية، فقام بمصادرة أموال الناس حتى ضجت منه الرعية؛ مما جعل الخليفة يأمر الوالي على القاهرة بقتله، وبنى العديد من القصور كان أشهرها الهودج الذي بناه لإحدى الجواري البدويات في جزيرة الروضة، وقتله الحشاشون في عام ٥٢٤ هجريًا – ١١٣٠ ميلاديًا.

الخليفة الحافظ لدين الله

يسمى الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد بن الأمير محمد بن المستنصر بالله معد بن الظاهر علي بن الحاكم بن العزيز بن المعز، آخر الخلفاء الفاطميين الأقوياء الذين حكموا مصر بأنفسهم، كانت مشكلة الحافظ الحقيقية هو أنه ليس من نسل الإمام الآمر، وكان ابن عمه، وكان في البداية ولي للعهد لطفل رضيع من أبناء الآمرـ، لكنه قتله وأصبح الخليفة، مما تسبب في انشقاق في المذهب الإسماعيلي بين الإسماعيلية الطيبية والإسماعيلية الحافظية.

بدأ عهده بحجبه من الأفضل كتيفات وهو حفيد بدر الجمالي، وحجر على الحافظ وكان إسماعيلي اثني عشري، وأسقط اسم الخليفة من الخطبة، ووضع بدلاً منه “الإمام الغائب”، وقتل بتدبير من الحافظ.

تأتي فترة الحكم الثانية للحافظ وهي فترة الحكم الفعلي الأولى له، حيث امتنع عن وضع وزراء، ثم وضع أحد أبنائه حنى توفي فوضع ابنه الأصغر حيدرة ولي للعهد، مما أغضب ابنه الحسن وقاد تمرداً ضد أبيه، وانقسم الجيش بين فرقة مؤيدة لحيدرة وأخرى للحسن، حتى انتصر الحسن وانفرد بالأمر دون أبيه، لكن الحسن كان سنيًا؛ مما أثار ضده كبار الأمراء، فطلبا من الحافظ قتله ودس له السم في الطعام.

تولى حكم مصر بعد سم الحسن الوزير بهرام الأرمني وهو والي الغربية الذي استدعاه الحسن قبل وفاته، وسلمه الجنود الحكم كأول وزير مسيحي يحكم مصر، وبعد فترة راسل بعض الأمراء والفقهاء الأمير رضوان بن ولخشي ليتولى الوزارة، وكان سني المذهب فدخل في صدام مرة أخرى مع كبار رجال الدولة، فهرب من القاهرة حتى حبس، وانفرد الحافظ بالحكم مرة أخرى ولم يتخذ وزراء وتولى زمام الأمور حتى وفاته.

الخليفة الظافر بدين الله

تولى الظافر بعد وفاة أبيه، ولكنه كان عكس الوالد لم يكن له من أمور الحكم شيء، وانقسمت فترة حكمه بين أكثر من وزير عظيم بدأوا بتولية ابن مصال وهو آخر كتاب أبيه، حتى انقلب عليه عادل بن السلار وهو وزير سني المذهب، وأنشأ مدرسة على المذهب السني في الإسكندرية، ولكن نظرًا لمذهبه ظل الظافر وكبار رجال دولته يتربصون به حتى قتل وتولى الوزارة بعده القائد عباس ابن أبو الفتوح، والذي تخلص بدوره من الخليفة الذي كان صديقًا لابنه نصر، فقام نصر بن عباس بقتله، ولم يفعل الظافر لنفسه شيئاً طيلة حكمه سوى مسجد الفكهاني بشارع المعز والذي أسماه بـ”الجامع الأفخر”.

الخليفة الفائز لدين الله

كان الخليفة الفائز لدين الله طفل صغير لم يتجاوز الخمس سنوات، ولم يحكم فعليًا، ولكن كان عهده الحاكم هو الوزير طلائع بن رزيك، وكان والي ولاية الأشمونين واستنجد به نساء القصر الفاطمي بعد وفاة الظافر، وأرسلن له شعورهن وبالفعل رتب أمور الدولة الفاطمية من جديد وحارب مملكة بيت المقدس الصليبية، ولكن داخليًا سمح بالفساد فباع المناصب للأمراء، واحتكر الغلال الزراعية، وتوفي الفائز وعمره 11 عاماً.

الخليفة العاضد لدين الله

يعتبر الخليفة العاضد لدين الله آخر الخلفاء الفاطميين، وآخر الأئمة الإسماعيلية الحافظية، وتولى الخلافة بعد وفاة الخليفة الفائز لدين الله في ٧ رجب عام ٥٥٥ه الموافق ٢٣ يوليو ١١١٦٠م، دون وريث، فوضع الأمير عبد الله حفيد الحافظ، وذلك في عهد الوزير العظيم طلائع بن رزيك، وبعد فترة من توليه الحكم دبر مؤامرة مع نساء القصر مثل العمة ست القصور أخت الظافر لمقتل طلائع بن رزيك، وتولى من بعده العادل بن رزيك، وما لبث أن استولى على منصب الوزارة منه من قبل شاور بن مجير السعدي، ثم حاول ضرغام الاستيلاء على الحكم واستمر الصراع بين الشخصيتين، ونجح ضرغام في الاستيلاء على الحكم، فذهب شاور مستنجداً بالملك العادل نور الدين محمود في الشام، وضمن له ثلث إيراد مصر، فبعث جيش على رأسه أسد الدين شيركوه، والذي نجح في القضاء على ثورة ضرغام وأعاده للحكم، ولكن شاور نكث بالعهود التي قطعها إلى نور الدين محمود، وأصر قائد جيشه على عدم الرحيل إلا بعد أن يدفع ما وعد به، ولذلك استعان شاور بالصليبيين لقتال أسد الدين، وتقابل الجيشان عند بلبيس واتفق الطرفان على الخروج من مصر.

وجهز أسد الدين حملة أخرى ضد شاور، والذي استعان مرة أخرى بالصليبيين، واتفق معهم اتفاقاً سرياً مع الصليبيين يتعهد فيه بدفع مائة ألف دينار سنوياً، وعلى حامية من فرسانهم تحمي أسوار القاهرة، والتقى الجيشان في معركة البابين، ثم في حصارهم في الإسكندرية بعد ذلك لصلاح الدين، ليتفق الطرفان مرة أخرى على الخروج من القاهرة.

أدت الحملتان السابقتان ووجود فرسان الصليبيين على أبواب القاهرة إلى طمع مملكة القدس اللاتينية في ضم مصر، وبالفعل أرسل الملك عموري حملة للاستيلاء على مصر، ودخلت بلبيس وأقامت مذبحة في أهلها؛ مما جعل شاور يحرق الفسطاط خوفُا من وقوعها في يد الصليبيين، واستنجد الخليفة العاضد بنور الدين محمود للمرة الثالثة، فأرسل أسد الدين الذي انسحب الصليبيون عند وصوله، ودخل القاهرة وبعد دخوله أمر العاضد بإعدام شاور، وولاه الوزارة، ولم يستمر أسد الدين في الوزارة طويلاً حيث توفي بعد وقت قصير من ولايته.

وولى العاضد بعده صلاح الدين الأيوبي الذي واجه ثورة العبيد بالسودان ورئيسهم مؤتمن الخلافة، ثم هجوم الصليبيين على دمياط وحصارها 50 يوماً، ونجح في تجاوز تلك الأزمات، ثم قام بتحول هادئ للبلاد من المذهب الإسماعيلي إلى السني حيث أنشأ المدارس، وأبطل مجالس الدعوة وعزل القضاة الإسماعيلية، ثم قطع خطبة الفاطميين وخطب للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله، ولم تمض أيام قليلة حتى توفي العاضد في ليلة عاشوراء سنة 567 ه -12 سبتمبر 1171م.

وتتناقل بعض الروايات أن صلاح الدين قضى على نسل الخلفاء الفاطميين وفرق الرجال والنساء لكي لا يتناسلوا، ولكن الحقيقة أن صلاح الدين وضع أسرة الفاطميين في الإقامة الجبرية فقط، وظلوا في تلك الإقامة طيلة عصر الأيوبيين ومن بعدهم المماليك، والدليل على ذلك شهادة المؤرخ المقريزي من وجود أبناء وأحفاد للعاضد أثناء سلطنة بيبرس، بل التقى المؤرخ أبو شامة المقدسي ابن العاضد في محبسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى