التاريخ والحضارة

قصة الحرب العثمانية المملوكية للسيطرة على الشرق الأوسط

لا يتوقف السؤال الشائك كلما ذكرت مأساة الأندلس وسقوطها عن دور القوى الإسلامية العظمي مثل المماليك والعثمانيين في إنقاذ آخر معاقل المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية، إلا أن الإجابة هي الحرب العثمانية المملوكية عند السواحل الجنوبية للأناضول عندما إصطدمت القوتان الإسلاميتين الأكبر القاهرة وإسطنبول في حرب عبثية، استمرت منذ عام 1485 إلى 1491.

أسباب الحرب العثمانية المملوكية

تعددت الأسباب التي أدت إلى الحرب العثمانية المملوكية. حيث بدأ الاضطراب يدب بين القوتين بعد لجوء جم بن محمد الفاتح المنافس الرئيسي للسلطان العثماني بايزيد الثاني إلى القاهرة. واستقبال السلطان المملوكي قايتباي، ومحاولات السلطان بايزيد لإظهار نفوذه على العالم الإسلامي. وظهر ذلك جليًا في طلب بايزيد من السلطان قايتباي السماح له بعمل إصلاحات في مكة، وهو ما رفضه الأخير.

كان السبب المباشر للصدام بين القوتين العثمانيين والمماليك هو رفض قايتباي إرسال والدة السلطان جم والمسماة جيجك وابنتيه إلى بايزيد. والتي شكلت مع بعض الحوادث الفرعية.

استعان بايزيد في إشعال فتيل الحرب بالإمارات التركمانية. وهي مجموعة من الإمارات التي ورثت دولة سلاجقة الروم في الأناضول. ومع ظهور الدولة العثمانية وتوسعها، أصبحت دول حاجزة بين الإمبراطورية العثمانية الوليدة وبين سلطنة المماليك. وتعتبر أقوى تلك الإمارات هي إمارة قرمان. والتي ربطها طوال تاريخها بالعثمانيين صلات مصاهرة عائلية. حيث جهز أميرها علاء الدين بالجنود والأسلحة ليهاجم مدينة ملطية المملوكية.

تحرك نائب سلطنة المماليك في حلب الأمير وردبش الظاهري، لوقف الأطماع العثمانية في بلاده. ولكن كانت القوات العثمانية أكبر من توقعاته. فهزم الجيش المملوكي وقتل وردبش نفسه، مما أدى لتدخل السلطان قايتباي وإرسال حملة بقيادة السلحدار الأمير تمراز الشمسي. والذي نجح في إلحاق الهزيمة بعلاء الدين وعاد بالغنائم.

حاول قايتباي وقف الحرب مع العثمانيين وأرسل إلى بايزيد هدايا السلطان الهندي وتقليد من الخليفة العباسي. إلا أن بايزيد شعر بضعف المماليك فرفض الصلح، واستعد لقضم المزيد من الأراضي المملوكية.

إقرأ أيضاً: أسباب سقوط الدولة العثمانية

الهجوم العثماني الأول

بدأ بايزيد في التخطيط لشن هجوم موسع على الأراضي المملوكية تحت قيادة حليفه أمير قرمان الجديد محمد باشا كاراغوز عبر حملتان برية وبحرية، والذي سيطر على عدد من الحصون التابعة لإمارة عبدالقادر التابعة للسيطرة المملوكية، وتألفت معظم قوات جيش قرمان من قبيلتي تورغودلو وفاساك ونجحت في السيطرة على مجموعة من الحصون في منطقة قيليقيا.

جهز قايتباي حملة مملوكية ضخمة لتواجه الجيش العثماني الزاحف على الممتلكات المملوكية. ووضع على رأسه الأمير أزبك الأتابكي أميرًا عليه. والذي سار إلى دمشق وإنضم له نائب السلطان في دمشق. ونجح الجيش المملوكي في استرداد الحصون التي استولى عليها محمد باشا كاراغوز.

اتخذت الحرب المملوكية العثمانية منعطفًا جديدًا مع حملة الأمير أزبك. لتتحول من حرب بالوكالة يقودها أمير قرمان نيابة عن العثمانيين إلى صدام مباشر بين الجيشين. عندما قرر السلطان بايزيد إرسال جيش بقيادة زوج أبنته أحمد باشا الهرسكي يتألف من وحدات من الإنكشارية.

وتقابل الجيشان في 15 مارس ولكن حقق الجيش المملوكي انتصار ساحق على العثمانيين مجددًا أدى إلى فرار أمير قرمان من ساحة المعركة. ولكن انتظر الأمير العثماني الكبير احمد باشا الهرسكي مصير أسوأ. فبعد أن فقد أصابعه أثناء الحرب، قيده الجيش المملوكي وأرسل أسيرًا إلى القاهرة.

حملة داود باشا

أرسل بايزيد الثاني جيش جديد في عام 1487، للثأر من المماليك بقيادة الصدر الأعظم داود باشا. وانقسم لقوات برية مكونة من الجيش النظامي العثماني ووحدات الانكشارية، وقوات بحرية من أسطول إمارة ذو القدر. وتعلم داود باشا من الهزائم السابقة و استمع لنصيحة حليفه أمير ذي القدر علاء الدين بعدم الاصطدام مع المماليك. خاصة بعد علمه بتجهيز قايتباي لجيش ضخم بقيادة الأمير يشبك الجمالي لغزو أراضي العثمانيين عند أي هجوم جديد على الأراضي المملوكية.

انحرف داود باشا بحملته لغرض آخر هو القضاء على تمرد قبيلتي تورغودلو وفاساك. لأنهما أرادا السيطرة على إمارة قرمان، ونجح في حصارهم حتى هرب قائد التمرد الأمير محمود بك بن درغوث، وأعلنا ولائهما للعثمانيين.

إقرأ ايضاً: سليمان القانوني لماذا أمر السلطان بقتل ابنه الأمير مصطفى؟

الهجوم العثماني 1488

بدت معركة كبيرة تلوح في الأفق بين الدولة العثمانية الناشئة وبين دولة المماليك في مصر. وحاول كل سلطان تجهيز ما لديه من أوراق لخوض المعركة. ففي القاهرة بحث قايتباي عن حلفاء للجولة القادمة فراسل أمير دولة آق قويونلو يعقوب بن حسن البايندري. ولكنه كان منشغلاً بالخطر الصفوي، وحاول إعادة منافس بايزيد السلطان جم. ولكن فرسان الإسبتارية الذين لجأ لهم رفضوا ذلك. فحاول عرض الصلح على العثمانيين والعودة إلى حدود ما قبل الحرب، ولكن بايزيد رفض العرض.

كان على الجانب الآخر من المتوسط السلطان بايزيد يستجمع قواه العسكرية ويعيد تنظيم صفوفه لتجنب الهزائم السابقة. رغم أنه من شن الهجوم على المماليك، وجهز قوات برية تعدادها بتعداد 60,000 رجل تقريبًا بقيادة حاكم الروملي علي باشا الخادم، وقوات بحرية عثمانية تحت قيادة أحمد باشا الهرسكي.

لم يعد أمام كل من العثمانيين والمماليك سوى العدو المشترك وهي الجمهوريات الإيطالية لطلب يد العون. فلجأ بايزيد لعدو العثمانيين التقليدي وهي جمهورية البندقية للاستعانة بميناء فاماغوستا. ولكن البنادقة رفضوا بل وأرسلوا سفن إلى قبرص لمنع العثمانيين من الاستفادة بموانئها. وحاول المماليك الاستعانة بجنوة أو البندقية بحرًا ولكن كلتا القوتان رفضت العرض المملوكي.

معركة أغاشاريي

في الحرب العثمانية المملوكية نجح الجيش العثماني الجرار السيطرة على قيليقيا، ومدن أضنة وطرسوس وعدد من القلاع. ولكن أكرم بايزيد الأسرى المماليك وأعادهم للقاهرة، وبدأ قايتباي في تجهيز حملة لاسترداد قيليقيا، استعان فيها بكبار القواد الذين نجحوا في هزيمة العثمانيين خلال الجولات السابقة. ومنهم الأمير أزبك الأتابكي و الأمير تمراز الشمسي، وإنضم له أمراء الدولة المملوكية في الشام، وأمير الإمارة الرمضانية غيَّاث الدين خليل بك بن داود.

تقدم الأسطول العثماني لميناء الأسكندرونة التابع لإمارة ذي القدر. ولكن عاصفة دمرت الكثير من سفنه فلم يشترك في القتال. ونجح الجيش المملوكي في الوصول بسهولة لسهل قيليقيا، وبذلك حيدت البحرية العثمانية خلال المعركة.

إلتقى الجيشان بأكبر عدد من القوات في تاريخ الاشتباكات بينهما عند مدينة أغاشاريي قرب أضنة في 26 أغسطس 1488. وبدأ العثمانيون بانتصار ملحوظ وتقدم لميسرة جيشهم. ولكن حلت كارثة مفاجئة في ميمنة الجيش العثماني حيث هرب جنود إمارة قرمان من ساحة المعركة.

استفاق العثمانيين على تلك المفاجأة العسكرية، ورغم تقدمهم في القتال. اضطر علي باشا الخادم للانسحاب خوفًا من أي إلتفاف من القوات المملوكية، ليحقق المماليك النصر. وتتحدث الروايات أن السلطان قايتباي قرع الطبول في القلعة بعد وصول أخبار النصر.

لم ترحم القبائل التركمانية الجيش العثماني المتقهقر إلى إمارة قرمان، حيث توالت هجماتهم ضده، مما زاد من خسائر العثمانيين، ولم يكن الخبر السيئ الوحيد فبعد عودة الجيش إلى إستانبول أمر بايزيد بحبس أمراء الحملة المتقهقرين أمام المماليك في حصن الروملي، وقام بإعدام أمير قرمان بسبب تكرار فراره من أرض المعركة.

حاول الأمير أحمد باشا الهرسكي من تحقيق انتصار يعيد هيبة العثمانيين في قيليقيا. ولكن أكثر ما نجحت حملته في تحقيقه هو القضاء على فصيل مملوكي، ولكنه فشل في السيطرة على أي جزء من قيليقيا.

كانت الضربة القاضية للعثمانيين هو تحول ميول الإمارات التركمانية إلى المماليك وخاصة أمير إمارة ذي القدر علاء الدين. وبهذا التغير نجح المماليك في إعادة دور تلك الدويلات كدول حاجزة بين ممتلكات كلاً من القوتين المتحاربتين.

إقرأ أيضاً: ما هي الطورانية وكيف نشأت؟

الهجوم المملوكي على قرمان 1490

قرر السلطان قايتباي أن يأخذ زمام المبادرة تلك المرة وفي عام 1490 تحول المماليك من موضع الدفاع إلى الهجوم. حيث توجهت حملة إمارة قرمان أهم حليف عثماني، وحاصرت عاصمتها قيصرى. ولكن لم يستمر الحصار كثيرًا بعد النجدات العثمانية بقيادة أحمد باشا الهرسكي، حيث فك المماليك الحصار بمجرد وصولها.

كانت الظروف لا تناسب كلاً من القوتين العثمانية والمملوكية لاستكمال الحرب. حيث أثرت الحملات المتتالية على خزينة المماليك، بينما كانت أجراس الحرب تقرع في أوروبا مع أنباء عن تشكيل حملة صليبية ضد العثمانيين. ورغم عن ذلك خرج السلطان بايزيد على رأس حملة بنفسه لمحاربة المماليك. ولكن حالت الظروف الطبيعية حيث ضربت سيول العاصمة العثمانية وتسببت صاعقة في إنفجار أحد مستودعات الذخيرة، مما منع السلطان عن الخروج.

قام قايتباي بالإرسال للسلطان الحفصي زكريا بن يحيى للتوسط بين الجانبين. وبالفعل أرسل القاضي المولى أبو بكر زين الدين الذي يسميه العثمانيين “ملا عرب”. ونجح في التوصل إلى معاهدة رسمت الحدود بينهما عند ممر غوليك في جبال طوروس. وأصبح سهل قيليقيا تحت سيطرة المماليك، وعادت إمارة ذي القدر تحت سيطرة العثمانيين، وظلت الإمارة الرمضانية متحالفة مع المماليك.

اسباب الإنتصارات المملوكية

تظهر المعارك المتتالية بين العثمانيين والمماليك، أن العثمانيين كان لهم تفوق بحري. ولكن أمنت الحصون المملوكية في قيليقيا وسوريا مقاومة مملوكية شرسة لأي تقدم عثماني برًا. ولعب أمير ذو القدر دور هام في الإحتفاظ بإمارته كمنطقة عازلة بين القوتين.

إمتلك المماليك جيش متميز من الفرسان البدو بجانب جيشهم النظامي. ولكن العثمانيين أصحاب الأعداد الأكبر من الجنود اعتمدوا على قواتهم التقليدية من المشاة مع سلاح خفيف من الفرسان، وعدم وجود قيادة مركزية قوية والنزاعات الداخلية بين الجيش

الحرب العثمانية المملوكية وسقوط غرناطة

أدت الطموحات العثمانية في التوسع على حساب المماليك، والصراع المملوكي العثماني إلى قلة الدعم الذي قدمه العثمانيين إلى مملكة غرناطة التي طالبت مساعدة بايزيد ضد الإسبان. فلم يتمكن الأسطول العثماني المحدود الذي وصل بقيادة كمال ريس للسواحل الإسبانية في إنقاذ غرناطة. فكانت الحرب العثمانية المملوكية أحد الأسباب بسقوط المملكة الأندلسية.

إقرأ أيضاً: تيمورلنك قصة القائد الذي استخدم الوثنية لحكم المسلمين ودمر الإمبراطورية العثمانية

تعليق واحد

  1. المقالة ناقصة وأين معركة الريدانية وتولي القائد المملوكي خاير بك أمور ولاية مصر كإمارة تابعة للعثمانيين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!