التاريخ والحضارة

الحملة الصليبية الثامنة: أسباب فشلها ورد الفعل الاسلامي عليها

الرابط المختصر:

طوال 200 عام من الزمان عايشت دول الشرق الإسلامي، حروب طويلة الأمد وصراعات كثيرة بسبب الحملات العسكرية الاستعمارية التي عرفت بالحملات الصليبية. قدمت هذه الحملات من قلب أوروبا، كانت شعلة البداية قد أطلقت منذ احتلال بيت المقدس والذي حدث مطلع عام 1099م. بعد سقوط هذه الدول في قبض قادة هذه الحملات نجحوا في الاستيلاء على دول العالم الإسلامي. وقاموا بتقسيمها إلى 4 ممالك تتبع سياسية حاكمة تحت مبادئ مسيحية.

ما هو رد فعل البلاد الإسلامية على الحملات الصليبية؟

لكن دول العالم الإسلامي رفضت هذا الاحتلال. كما قررت التخلص من الحملات الصليبية مما دفعها إلى شن حروب من شأنها التحرر من الاحتلال. اختتمت هذه الحروب بهزيمة الحملات على يد صلاح الدين الأيوبي. الذي أهلكهم في معركة حطين التاريخية. توالت بعد هذه المعركة الانتصارات الإسلامية على هذه الحملات في كل بلد دخلوا إليها. حتى نجح المسلمون عام 1291م، في إخراج الصليبيون من البلاد الإسلامية، وذلك بقيادة السلطان خليل بن قلاوون.

كيف تم أخذ لويس التاسع أسيراً؟

وتعد الحملة الصليبية الثامنة، واحدة من الحملات الصليبية التي خرجت إلينا من أوروبا، قاد هذه الحملة لويس التاسع، واحدا من ملوك فرنسا، وقد بدأت تحركات هذه الحملة مطلع عام 1270م، وبالرغم من فشله الكبير في قيادة الحملة الصليبية السابعة، إلا أن فشله لم يمنعه من قيادة حملة جديدة، خاصة بعد أن نجح المماليك في إيقاعه أسيراً في سجونهم، وقد دفع لخروجه من محبسه الكثير من المال إضافة إلى الكثير من الشروط الصعبة.

لماذا كانت مصر مركز هام لدى قادة الحملات الصليبية؟

أثرت هزيمة الحملة الصليبية على يد صلاح الدين، في تشديد فكرة مهاجمة المسلمين من قبل قادة هذه الحملات. وليس الاستيلاء على البلاد وحدها. كانت مصر بالنسبة للحملات البلد الأكثر طمعا في السيطرة والهجوم. وذلك بسبب تمركز الحكم الأيوبي والمملوكي بها. ويأتي بعد الهجوم السبب الأخر والذي كان في البداية هو الدافع الحقيقي لهذه التحركات الاستعمارية هو احتلال البلاد الإسلامية. بالإضافة إلى الاستيلاء على القدس ويليها أي منطقة يوجد بها مسيحيين داخل منطقة بلاد الشام.

سر فشل الحملة الصليبية التاسعة قبل بدايتها؟

وقبل أن نتطرق في الحديث عن الحملة الصليبية الثامنة، دعونا نذكركم بالحملة الصليبية التاسعة التي اختارت السيطرة على تونس أولاً حتى تكون معبرا في الوصول إلى مصر والسيطرة عليها، لكن بإعلان خبر موت ملك فرنسا لويس التاسع، تم إلغاء الحملة الصليبية التاسعة، وهذه المعلومة عرضت في تقرير نشره موقع Ancient History Encyclopedia.

لويس التاسع يقع أسيراً بين يدي المماليك

سميت مدينة المنصورة بهذا الاسم نسبة إلى انتصار المصريين في مواجهة حملة لويس التاسع السابعة، والتمكن من هزيمته عام 1250م، وفيها وقع لويس التاسع، أسير في يد المماليك، ولما جرت محاولات الإفراج عنه كانت هناك شروط صعبة من أجل السماح بخروجه، مثل الفدية الكبيرة التي تم دفعها، وكذلك تسليم مدينة دمياط، بعد قيامه باحتلالها، لكن ذلك لم يمنعه من الاستمرار في محاولات الغزو والاحتلال فقد تمكن من تحصين الكثير من المعاقل داخل بلاد الشام كحصن له وذلك استمر لمدة 4 سنوات وكانت مدينة عكا واحدة من هذه الحصون.

بعد مرور 16 عام، من عودة لويس التاسع المهزوم، إلى فرنسا، قرر من جديد أن يعود بجيوشه إلى الشرق فكانت الحملة الصليبية الثامنة هي صاحبة النصيب لتكون تجربة فاشلة جديدة له، الغريب في الأمر أن لويس التاسع الذي يمثل ملك فرنسا في ذلك الوقت كان الممول الرئيسي للحملات الصليبية داخل البلاد الإسلامية، وهذا أمر يؤكد أن تلك الحملات تبنت فرنسا هدفها، إذ كان لويس يرسل بشكل مستمر أموال طائلة كمعونات إلى قادة هذه الحملات داخل كل امرأة صليبية في أي بلد من بلاد الشام.

لماذا تخلت دول أوروبا عن حماية ودعم الحملات الصليبية؟

تخلت الدول الأوروبية عن لويس التاسع، في حروبه الصليبية داخل بلاد الشرق الإسلامي. فكل دولة كانت تعاني من مشاكل داخلية ومنشغلة بحلولها. فقد كانت إنجلترا على سبيل المثال، تعاني من حرب أهلية بين شعبها والتي ظلت مستمرة لمدة 7 سنوات. أما الباباوات الذين يمكن أن يخدعهم لويس التاسع، بحجة حماية المواقع المسيحية المقدسة في الشرق حتى يساعدونه. كانوا أيضا مشغولون في معارك ضد الإمبراطورية الرومانية. وكانوا يحاولون استعادة السيطرة على إيطاليا وكذلك جزيرة صقلية. هذه الأسباب أدت إلى ضعف قوة الحملات الصليبية عسكريا وعدم قدرتها على مواجهة بلاد الشام. وعجزها عسكرياً في معاركه، إضافة إلى عدم قدرة الحملات الصليبية على التنافس الذي كان سينشأ لا محالة مع المغول، في ظل قدراتهم المحدودة لن يتمكنوا من مصارعة الإمبراطورية المغولية التي استهدفت تمكين قبضتها على جميع دول العالم. وفي ذلك الوقت كانت على مقربة من الدول التي تقع على سواحل البحر المتوسط.

ظهور المغول في تنافس شرس ضد الحملات الصليبية

بدأت الإمبراطورية المغولية تحكم سيطرتها على بلاد الشرق ابتداءً من السيطرة على مدينة بغداد، التي كانت تمثل في ذلك الوقت مركز الحكم العباسي في عام 1258. وبحلول عام 1260م، سقطت مدينة حلب تحت قبضة الاحتلال المغولي. وفي نفس العام وقعت دمشق بين أيديهم أيضاً. حتى انهارت الإمارات الصليبية داخل دول الشام، توسعت تحركات المغول داخل بلاد الشرق فوصلت إلى القدس وعسقلان ومصر.

تضييق الخناق على الحملات الصليبية بسبب المغول

قام المغول بإنشاء حامية تتبعهم داخل غزة، الأمر الذي أدى إلى حدوث هجوم متواصل عام 1260م، على مدينة صيدا. مما دفع بقائد أحد الإمارات الصليبية في منطقة الشام، وتحديداً في طرابلس، والذي يدعى بوهيموند السادس، إلى الرضوخ للمغول. ما نتج عنه قبول التبعية لهم بالإضافة إلى تم تأسيس إمارة للمغول في مدينة أنطاكية التي كانت إمارة صليبية.

هزيمة المغول في معركة عين جالوت

قام المصريون في عهد المماليك بالهجوم على الصليبيين داخل البلاد. حين كان قطز، سلطان على مصر. وتمكن الظاهر بيبرس القائد العسكري للجيش آنذاك من هزيمة الصليبيين عام 1260م، في المعركة المعروفة تاريخيا باسم عين جالوت. وبعد نجاح هذه المعركة العسكرية، تم قتل قطز على يد الظاهر بيبرس، بهدف الاستيلاء على الحكم. وبالفعل تمكن من ذلك وعين حاكما على مصر عام 1277م. وظل حاكماً طوال 17 عاما، يحاول أن يزيد من توسعاته العسكرية في البلاد.

بيبرس حامي الحرمين الشريفين

قام الظاهر بيبرس، بالاستيلاء على الكثير من المدن القيصرية. كما أحكم قبضته على حصن الأكراد الذي كان يعد مركز القيادة للحملات الصليبية، وبقدوم عام 1268م، وقعت مدينة أنطاكية في قبضة بيبرس. وطوال فترة حكم بيبرس تمكن من السيطرة على معظم قلاع وحصون الحملات الصليبية في سوريا. وبتحكمه في هذه القلاع جعل من نفسه سلطان على بلاد الشام بشكل عام ومصر بشكل خاص. لم يكتف بذلك الحد بل أعلن نفسه حامي مناطق الإحرام في الشرق وهم منطقة مكة ومنطقة المدينة ومنطقة القدس. وفي ظل إحكام قبضة بيبرس العسكرية على بلاد الشام لم ينتبه إلى الموالين للمغول في الشرق أمثال معتنقي الديانة المسيحية في منطقة أنطاكية الذين تحالفوا مع المغول واتفقوا على تمكين سيطرتهم على مدينة حلب. بينما المسيحيين في عكا رفضوا التحالف مع أي طرف سواء المسلمين أو المغول.

عاد لويس التاسع، من جديد يقود الحملات الصليبية، وفي بداية عام 1267م، كان لويس قد جهز إلى إطلاق الحملة الصليبية الثامنة، ونسبة إلى تدين لويس التاسع، الشديد وقربه من رموز الدين المسيحي آنذاك، فقد نجح في الحصول على دعم وتحفيز للحملة من قبل بابا الفاتيكان كليمنت الرابع.

دعا لويس التاسع، جميع نبلاء أوروبا وكذلك الفرسان في هذه البلاد حتى يقدموا دعمهم إلى الحملة الصليبية الثامنة. والتي زعم لويس، بأن هدفها هو تقديم المساعدة والحماية للمسيحيين في البلاد الإسلامية. نجح لويس السادس، في جمع أكبر عدد من المال بفضل دعواته المضللة وقام بتأجير العديد من السفن لمساعدته في حملته.

كيف استعد لويس التاسع لإطلاق الحملة الصليبية الثامنة؟

جمع لويس التاسع، آلاف الأشخاص من مختلف الدول الأوربية مثل هولندا وإنجلترا وإسبانيا وغيرهم حتى ينضموا لجيش الحملة الصليبية الثامنة، لكن الفرنسيين كانوا أصحاب أكبر عدد من المشاركين في الحملة لأن قائد الحملة هو ملك فرنسا فكيف لا يشارك فيها الفرنسيين.

شهدت الحملة الصليبية الثامنة، انضمام الكثيرين من نبلاء القوم بالمجتمع الأوروبي، وكان على رأس هؤلاء ملك جزيرة صقلية، وملك أراغون، وملك إنجلترا المستقبلي، وقد وصل عدد أفراد جيش لويس التاسع، في هذه الحملة إلى ما يزيد عن 15 ألف جندي. 

خطة الحملة الصليبية الثامنة

اختار لويس التاسع، خلال الحملة الصليبية الثامنة أن يدخل بجيوشه إلى البلاد الإسلامية من ناحية إفريقيا ووقع الاختيار على تونس. لكي تكون المعبر الأول لهم أثناء الدخول، وجاء اختيارها لأنها البلد الجغرافية الأقرب على شمال الساحل الإفريقي. إضافة إلى سهولة الدخول إلى مصر عن طريقها، وبسبب قرب علاقة حاكم تونس الأمير الحفصي المستنصر، بملك أراغون. الذي كان على قمة القادمين مع الحملة، ظن لويس التاسع، ومن معه أن السيطرة على تونس. سوف توفر لهم الكثير من السبل للسيطرة على البلاد الإسلامية الأخرى. من هذه النقطة بدأت الحملة الصليبية الثامنة تنفيذ خطتها إلى الشرق.

تقسيم جيش الحملة الصليبية الثامنة إلى مجموعات

بدأت الحملة الصليبية الثامنة تدخل الأراضي التونسية، وفق مجموعات عسكرية. كان قائد المجموعة العسكرية الأول ملك أراغون، جيمس الأول. وقد انطلقت عام 1269م، وهذه المجموعة لم تستمر في طريقها بسبب العواصف والكوارث الطبيعية التي تعرضت لها خلال السير. بينما المجموعة الثانية قادها كونت أنجو، وانطلقت عام 1270. وبعدها بشهر تحركت المجموعة العسكرية الثالثة إلى تونس بقيادة إدوارد الأول. لكن ما لم ينتبه إليه لويس التاسع، هو أن الإمارات الصليبية في بلاد المشرق الإسلامي كانت بالأساس قد تعرضت إلى حالة من الضعف. خاصة بعد نجاح بيبرس في فرض سيطرته على مدينة أنطاكية والاستيلاء عليها قبل أن تتحرك الحملة الصليبية الثامنة إلى تونس بعامين.

وصول الحملة الصليبية الثامنة إلى تونس

وصلت الحملة الصليبية الثامنة إلى تونس عام 1270م. وكان غالبية المجموعات التي تحركت من أوروبا مع الحملة قد تمركزت في مدينة قرطاج. وتم اختيار هذه المدينة تحديداً بهدف إنشاء معسكر رئيسي للحملة بها وفيها يتم انتظار باقي المجموعات التي تأخرت أثناء الوصول إلى تونس. الكارثة التي هدمت جسد جيش الحملات الصليبية ولم يلتفت إليها لويس التاسع، هي نقص الإمدادات الغذائية للجيش. إضافة إلى انتشار الأمراض بين الجنود بسبب العدد البشري الزائد في الحملة الذي لم يضمن لهم لويس وسائل الراحة حتى في مياه الشرب. إذ واجه الجيش معاناة كبيرة مع المياه الملوثة. ومثل هذه المشكلات كانت تواجه جميع الجيوش في مختلف الحروب التي دارت خلال العصور الوسطى.

وفاة قائد الحملة لويس التاسع

انتشرت الأمراض بشكل عشوائي في جسد الحملة الصليبية الثامنة وكل من فيها. لم يكن هناك أي نوع من الإسعافات أو العلاج للحاق بالمرضى. وكان أبرز النتائج السلبية على الحملة هي موت ابن الملك لويس، جون تريستان. حتى أن لويس نفسه أصيب بمرض الديزنطاريا، ولم تكن هذه المرة الأولى له بل أصيب خلال حملته الصليبية الأولى بنفس المرض. لكن هذه المرة كانت قاسية ولم يفلح الملك في النجاة، فقد مات بعد 30 يوماً من إصابته وذلك عام 1270م.

انسحاب الحملة الصليبية الثامنة من تونس

بعد رحيل قائد الحملة الصليبية الثامنة، لويس التاسع. أصبحت بلا قائد وقد تولى قيادة الحملة بديلا عن لويس، تشارلز كونت أنجو. لكنه لم يستطع الاستمرار بالحملة إلى الشرق مما جعله يقرر الانسحاب والرجوع إلى أوروبا بعد اتفاقية ثنائية أبرمها مع أمير تونس. وكان بمقتضاها أن يتم تسليم المعتقلين المسيحيين في السجون التونسية. إضافة إلى ضمان حرية العبادة في البلاد مع المزيد من الشروط الأخرى التي تم الاتفاق عليها.

فشل الحملة الصليبية الثامنة

وعند وصول ملك إنجلترا، بالمجموعة العسكرية التي كان يقودها ضمن مجموعات الحملة الصليبية الثامنة. كانت رحلة الحملة القصيرة قد انتهت ووجد الجميع عائدون من جديد إلى مدينة صقلية. لكن بدون هدف وبدون انتصار وبدون تحقيق أي توسع عسكري، وهنا فشلت الحملة الصليبية الثامنة قبل أن تبدأ من الأساس.

لم يتقبل الملك إدوارد، الهزيمة ولم يرغب في موت أهداف الحملة الصليبية الثامنة التي جاء من أجلها. لكن جميع القادة ومن معه تركوه إلا 1000 جندي فقط. وحصل على دعم من قبل البابوية ثم اتجه إلى مدينة عكا، بعد فشل الحملة بعام واحد. وعرفت حملة إدوارد بالحملة الصليبية التاسعة. ولم تمثل إلا استمراراً للفشل الذي حدث في الحملة السابقة لها. حتى محاولاته لوقف امتداد الزحف الإسلامي الذي كان يحققه الظاهر بيبرس، قد فشل فيه. الاستفادة الوحيدة التي حصل عليها إدوارد، هي تغني الأدباء الإنجليز بحماسه وقدرته على الدخول للبلاد الإسلامية. بينما لويس التاسع، فقد نال قيمة دينية أكبر بعد 27 عام من وفاته حيث تم إعلانه قديسا.

إقرأ ايضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!