تنمية بشرية

الذكاء الاجتماعي: إدراك وأحاسيس للتكيف مع البيئة!

يُعرِّف الطبيب النفسي نيكولاس همفري الذكاء الاجتماعي (Social intelligence). بأنه تنوع الحياة التي يعيشها الإنسان بما تحويه من إدراكات وأحاسيس وخصائص تجعله قادراً على التكيف مع البيئة التي يعيش فيها.

تتقارب وجهة النظر هذه مع ما يراه باحث علم الاجتماع هونيويل روس. والتي تفيد بأنه الذكاء الذي يكوِّن لدى الفرد مجموع معتقداته الاجتماعية ودوافعه النفسية وتطوير سلوكياته وقدراته داخل المجتمع. كما أن المفاضلة بين الأفراد من منطلق حاصل قيمة ذكاء اجتماعي “SQ” لا تصح. حيث إن الأفراد لا يملكون نفس الرغبات ولا تحركهم نفس الدوافع ولا يعيشون نفس الظروف.

تعريف الذكاء الاجتماعي

التعريف الأصلي هو ما شرحه إدوارد ثورنديكي بأنه قدرة الشخص على التعامل مع عامة الناس. مع مختلف أجناسهم وأعمارهم وأوضاعهم الاجتماعية. أي أنه القدرة على التصرف بحكمة ومنطق في العلاقات التفاعلية بين الناس. أن تتصرف بذكاء مع الناس، لذلك يسمى هذا النوع من الذكاء أيضاً بالذكاء التفاعلي.

وهذا النوع من الذكاء يعد من أنواع الذكاءات المتعددة كما يقول هوارد غاردنر في نظريته عن الذكاء المتعدد. حيث يرتبط ذكاء الفرد الاجتماعي بالعقل وبإدراك الأبعاد الاجتماعية وسلوك الفرد مسلك اجتماعي ناجح.

يُطلق على الفرد أنه ذكي اجتماعياً. حينما يكون على قدر كافي من حسن التصرف وسرعة البديهة وفن الرد وأيضاً القدرة على المراوغة والتملص في الحديث أو الإقناع إذا تطلب منه موقف حياتي ما مثل هذه الأمور. فبدون هذا النوع من الذكاء يعاني الإنسان من انعدام أو انخفاض قدرته على التكيف مع البيئة والناس المحيطين به.

والشخص اللبق أو الدبلوماسي الذي يتحاشى الاصطدام المباشر مع الناس أو خوض المشاحنات. ويحرص ألاَّ يخسر أحد الأطراف، هو شخص يتمتع بذكاء اجتماعي. والشخص الذي يكون ذكياً اجتماعياً ليس بالضرورة ذا شخصية إيجابية ولكن قد يسخر ذكاءه هذا في الشر ويستغله بطريقة سيئة.

والشخص الذي لديه ذكاء اجتماعي ولديه أخلاق حميدة فقد فاز بكلتا الصفتين. لأنه ليس من الذكاء أن يصبح الشخص وصولياً متملقاً منافقاً فهذه كلها أمور تورث صاحبها الخسران الكبير. كما أنه ليس من علامات الذكاء في شيء أن يكسب الشخص كل شيء وهو لنفسه خاسر.

ما هو حاصل الذكاء الاجتماعي “SQ”؟

يتم حساب حاصل ذكاء الفرد الاجتماعي أو ما يطلق عليه (Social Intelligence Quotient) كما يقاس معدل الذكاء من خلال اختبارات محددة بمتوسط 100 درجة. لكن بدون وجود نماذج اختبارات ذكاء ثابتة أو موحدة، نظراً لأن التكيف بين الفرد وبين البيئة أمر معقد ومركب ومتداخل.

الفرق بين الذكاء المجتمعي والذكاء

كون الشخص ذكياً بوجه عام غير كافي ليتمكن من تصريف أموره الحياتية وتحقيق أهدافه في المجتمع. أبرز مثال لتوضيح ذلك هو الشخص المصاب بداء التوحد، فهو غالباً ما يكون على قدر عالي جداً من الذكاء وبالرغم من ذلك فهو لا يستطيع أن يندمج مع أقرانه أو يتعايش مع دائرة مجتمعه، فيوصف بأنه ذو ذكاء اجتماعي متدني.

وتظهر أهمية دور ذكاء الإنسان الاجتماعي بشكل جلي حين يفشل الشمبانزي أو يعجز عن التصرف بشكل عقلاني أو متحضر وسط أفراد المجتمع برغم نبوغه وذكائه في ملاحظة الأشياء وتذكرها، وكأن ذكاء الإنسان الاجتماعي هو الركيزة الأساسية والبنية التحتية التي تمكنه من خلق شبكة العلاقات والأفهام وإثراء أنواع الذكاءات المتعددة الأخرى.

فرضية الذكاء الاجتماعي

من خلال تنشئة الطفل وسط أفراد أسرته واحتكاكه مع عائلته ثم خروجه إلى دائرة أكبر منها. وهي دائرة الأقارب والأهل، ثم تتسع مداركه أكثر ليخرج إلى دائرة أكثر اتساعاً وهي دائرة الأصدقاء، كل هذا يشكل دماغ الطفل ووعيه ويكوِّن النزعات ومن خلال التعايش يتطور العقل البشري وينمو حجم الدماغ وهذا ما تدور حوله فرضية الذكاء الاجتماعي.

أشار البروفيسور ستيفن ميثين إلى أنه يوجد حقبتين زمنيتين قد تضاعف خلالهما حجم الدماغ البشري. الحقبة الأولى كانت قبل 2 مليون عام حيث كان حجم الدماغ حوالي 450 سم مكعب، ثم أخذ في النمو حتى وصل بعد انتهاء هذه الحقبة إلى حجم 1000 سم مكعب.

ترجِع هذه الفرضية ذلك التطور إلى تغير متطلبات وأدوات المجتمع من حول الإنسان بعدما كانت المجتمعات في العصور السابقة أبسط وأيسر. حيث ازدادت العلاقات المجتمعية تعقيداً وتشابكاً مما تطلب دماغ أكبر لمجاراة ومعايشة الواقع.

ثم زاد حجم الدماغ لمرة ثانية في الفترة من 200 ألف إلى 600 ألف عام مضى. أرجع ستيفن ميثين هذا التطور الثاني إلى تطور اللغة، حيث إن اللغة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتواصل المجتمعي كما أنها أعقد الوظائف المعرفية التي يمارسها الإنسان منذ ولادته وحتى وفاته.

اللغة المقصودة هنا ليست قاصرة على نطق الحروف والكلمات أو الذكاء اللغوي. ولكن المقصود هو التواصل الفعال بين الأفراد وبعضها يأخذ أساليب وأشكال متنوعة تتطور مع النمو ثم مع تعاقب الأجيال والأزمنة وكذلك اختلاف الأماكن والبلدان وتنوع الثقافات والأعراف.

بعض وجهات النظر الإضافية

كلما تعمق الفرد في تنمية جوانب المعرفة والعلاقات الاجتماعية وأصبح واعياً مجتمعياً. وقادراً على التناغم مع المجتمع وأكثر تسويقاً لنفسه وانفتاحاً على العالم من حوله وتحقيقاً لأهدافه الشخصية من خلال هذه العلاقات. كلما كان صاحب ذكاء اجتماعي وذكاء عاطفي عالي. هذا ما أشار إليه عالم النفس الدكتور جون كيلستورم والدكتورة نانسي كانتور من إدراك للمفاهيم المجتمعية وردود الأفعال حيال المواقف الحياتية والاستدلالات المنطقية ووضع الخطط الدفاعية.

وقد قدم الباحث دانيال جولمان بحثاً يفيد بأن ثمة علاقة بين العلاقات الاجتماعية وبين الصحة النفسية والفيزيائية. حيث خلص إلى وجود تأثير مباشر لعلاقاتنا الاجتماعية على ضغط الدم وسلامة التنفس واعتلال المزاج وحالة الجهاز المناعي.

الجدير بالذكر أيضاً أن البيئة التي توفرها أنظمة التعليم المدرسي التقليدي لا تنمي لدى التلاميذ التفاعلات والمعاملات الاجتماعية المعقدة. في حين إذا تم اعتماد التجارب والمعاملات الاجتماعية في منظومة التعليم في سن مبكرة. سيتيح ذلك فرصة لتنمية الشخصية عند الأطفال.

ولعل هذا ما يفسر وجود الفجوة الكبيرة بين الخريجين وسوق العمل وحالات الفشل والإحباط التي تصيب الخريجين الجدد.

وفي المقابل نجد الطلاب الذين مارسوا مهارات التواصل الاجتماعية وعلم النفس الطبيعي في فصولهم الدراسية لديهم ثقة أعلى من أقرانهم أصحاب المهارات الاجتماعية الأدنى. فهم لديهم قدرة أكبر ومهارات أوسع لتحقيق رغباتهم. نخلص إلى أن هناك ترابطاً أصيلاً بين علم النفس والذكاء الاجتماعي. الأمر الذي يحتم على أهل الاختصاص عدم الفصل بينهما عند تنمية المهارات الاجتماعية أو دراسة الهياكل الوظيفية والاجتماعية ورسم الخرائط الشخصية.


اقرأ أيضاً: ما هو الذكاء الذاتي الشخصي؟ وما هي طرق تطويره؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!