التاريخ والحضارةمعارف ومعلومات

الطاعون في التاريخ الإسلامي وأشهر الأوبئة

أبيدت قرى، وخلت مدن وقتل مزارعين قبل حصد أراضيهم إنه الموت الخفي الذي سببها الطواعين والأوبئة في التاريخ الإسلامي، حيث تتشابه الأيام التي نعيش فيها الآن داخل جائحة كورونا بما حدث من فترات عصيبة خلال العصر الإسلامي عندما ضرب الوباء أراضيها، ويعتقد البعض أن ما نراه من حالات وفاة كورونا أو أشباهه المتحورة مثل أوميكرون المستجد وسريع الانتشار أو دلتا هي كوارث كبرى ولكن وينبئنا التاريخ أن ما يحدث حاليًا لا يساوي صورة أحد المشاهد البشعة من الأوبئة التي أصابت السابقين علينا وخاصة قصص الطاعون في التاريخ الإسلامي.

تفرق التعريفات المعاصرة ما بين الوباء والجائحة، والتي يجب أن تتوافر فيها عديد من الشروط مثل الانتشار في جميع أنحاء العالم مثل كورونا وبعض موجات الطاعون، أو على الأقل أن تعبر الحدود الدولية مثل وباء إيبولا في منطقة غرب أفريقيا، ويمتد تأثيره على عدد كبير من الناس وهو تفسير علمي للكثير من الأوبئة التي ضربت الدولة الإسلامية على مدار تاريخها بحسب منظمة الصحة العالمية بأنها بينما تصف “الموسوعة البريطانية” الطاعون بين وصفه في الماضي والحاضر والفرق بينهما ففي الماضي كان”الطاعون” مجرد مرض سريع الانتشار بين الناس، ولكن التعريف الحديث للكلمة انحصر في مرض تسببه نوع من البكتيريا العصوية التي تصل للإنسان عبر الفئران.

واكتشف العلماء أن البكتيريا المسببة لمرض الطاعون تسمى يرسينيا بيستيس، وتنتقل عبر الحشرات مثل البراغيث والقمل والبق، ثم تنتقل إلى الحيوانات كالقطط والفئران والكلاب، ثم ينتقل منها إلى الإنسان، وطريقة انتقاله أن البكتيريا تنتشر في داخل الحشرة حتى تسد المريء الخاص بها فتصبح شرهة لامتصاص الدماء، فتقوم بامتصاصها من الحيوانات والبشر وأثناء العملية تدخل لأجسام من تمص دمهم الدم المصاب بالمرض، بينما بين الناس ينتشر عبر العدوي.

وصف علماء المسلمين للطاعون

واختلف تفسير الطاعون الحديث عن ما فسره به علماء العصر الإسلامي، حيث يرون أن الفرق بينه وبين الأمراض الأخرى أنه بضرب جهة من الجهات بمرض واحد ومنه من يراه أنه أصل القروح الموجودة في الجسم.

ووصف العلماء القدامى ثلاث أنواع من الطاعون في التاريخ الإسلامي، تبدأ بالطاعون الليمفاوي وهو يصيب الغدد الليمفاوية والتي لها دور هام في مقاومة العدوى ويؤدي إلى تورمها، وهو الطاعون الذي وصفه ابن سينا (ت ٤٢٨ه/١٠٣٨م) في كتابه القانون في الطب.

ويعد النوع الثاني هو الطاعون الرئوي وهو يصيب الرئتين بدءاً بعملية الالتهاب الشعبي إلى استسقاء الرئتين أي أنهما يصبحان ممتلئتين بالسوائل، ويستمر ما بين ٣-٤ أيام ثم تحدث الوفاة.

والنوع الثالث هو طاعون تعفن الدم ويعد أسرع أنواع الطواعين، ويؤدي إلى حدوث تعفن في الدم يتحول إلى تعفن في الأعضاء نفسها، ومن أعراضه القيء والغثيان والإغماء بحسب ابن سينا.

كتب عن الطاعون

تنوعت الكتب الإسلامية التي تحدثت عن الطواعين والأوبئة في التاريخ الإسلامي، ومنها الطاعون والتي بدأت بكتاب الطواعين لابن أبي الدنيا (ت ٢٥٤ه/ ٨٩٣م) وسبقتها رسالة عن الأبخرة المصلحة للجو من الأوبئة للكندي ( ت ٢٥٤ ه/٨٦٨م)، ثم زادت عدد الكتب التي تتحدث عن الطاعون والوباء إلى ٧٠ كتاباً.

كان أول طاعون كتبت عنه المصادر الإسلامية هو طاعون ضرب بني إسرائيل نتيجة عصيانهم الأوامر الإلهية، وتحريف وتبديل كلام الله، حيث تناول المفسرون مثل الطبري (ت ٣١٠ ه/٩٢٢ م) آية “فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم، فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون” بأن المقصود هو مرض الطاعون.

ووردت أحاديث عن الرسول “صلى الله عليه وسلم” عن الوباء والطاعون حيث ورد في كتاب صحيح البخاري (ت 256ه – 870م) -في صحيحه- من أن أسامة بن زيد (ت 54هـ/675م) سأل النبي (ص) عن الطاعون، فقال “الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ علَى طَائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرَائِيلَ -أوْ علَى مَن كانَ قَبْلَكُمْ- فَإِذَا سَمِعْتُمْ به بأَرْضٍ فلا تَقْدَمُوا عليه، وإذَا وقَعَ بأَرْضٍ -وأَنْتُمْ بهَا- فلا تَخْرُجُوا فِرَارًا منه”.

الطاعون في التاريخ الإسلامي وأشهر الأوبئة

كان أول طاعون في الإسلام هو طاعون شيرويه، ورغم حدوثه في زمن النبوة، إلا أنه لم يواجهه المسلمين، وضرب أراضي الدولة الفارسية سنة ٦ هجرية، ولم يولد هذا الطاعون فجأة في أرض الفرس، ولكنه انتقل من بؤرة أخرى هي أراضي الدولة البيزنطية، حيث أصيبت به الجيوش الفارسية ونقلته لبلادها عند عودتها من حملات القسطنطينية وسوريا، وتحول إلى جائحة داخل أراضي الإمبراطورية الفارسية، وكان مركزه الرئيسي بلاد ما بين النهرين، والتي قام بإبادة نصف سكانها، وكان إحدى ضحاياه شيرويه نفسه، واستغل المسلمون أثار هذا الطاعون بعد معركة القادسية حيث لم يجدوا قوى عسكرية ترد قواتهم من التوغل في أراضي الدولة الساسانية، ونجحوا في مد حدود دولتهم الجديدة على أنقاض الإمبراطورية الساسانية.

طاعون عمواس

الطاعون في التاريخ الإسلامي

كان أول طاعون واجه المسلمون وجها لوجه هو طاعون عمواس، وسمي على اسم القرى الفلسطينية التي لا تبعد سوى ١٧ كيلو من القدس و٢٨ كيلو من يافا، ويرجع سبب التسمية إلى أنها كانت البؤرة الأولى للوباء الذي بدأ المسلمون عن طريقه مواجهة الأوبئة في تاريخهم الطويل، وتعود شهرة هذا الوباء في كونه المرجع الذي نسج حوله المسلمون على مدار تاريخهم الطويل الأحكام الشرعية في مواجهة الأوبئة الفتاكة.

بدأت أشباح الموت تلوح في الأفق أمام جيش المسلمين الفاتح للشام، وهو عدو جديد لم يألفه العرب لا يقتل بالسيف، ولا يتجهز الجندي لمبارزته، ونشأ الوباء عقب المعارك الكبرى، التي جرت بين المسلمين والإمبراطورية البيزنطية، حيث أهمل البيزنطيون القواعد الصحية وبعد هزيمتهم في المعركة تركوا جثث جنودهم تفتك بها الديدان في العراء، فتحولت ساحات المعارك إلى أراضي خصبة يرغب فيها الوباء.

واضطر كبار الصحابة مع الوباء المستجد لتذكر الإشارات النبوية عن الوباء والإجراءات الاحترازية التي تعلموها في مدرسة النبوة، وبعد مشاورات لم يخرج عمر بن الخطاب إلى الشام واتباع الإرشادات النبوية ظل كبار قادة الجيش في الشام ولم يخرجوا منها، وقام القائد العام للجيش عمرو بن العاص بإجراءات التباعد الاجتماعي، بتفرق الجنود وتوزيعهم على رؤوس الجبال، فخف الوباء وانقطع المرض.

لم تنجح أسلحة البيزنطيين الجرارة في حصد أرواح الجيش الإسلامي حديث النشأة مثلما فعل هذا الطاعون، حيث أدى إلى وفاة ٢٥ ألف حسب رواية الواقدي، ولم يكتف بذلك فقط، ولكن القادة من الصحابة الفائزين منذ أيام قليلة بالمعركة أمام أهم جيوش العالم آنذاك، لم يستطيعوا أن يواجهوا هذا العدو الخفي، أو حتى يدفعوه عن أنفسهم فسقط العديد منهم ضحايا له بعد مثل أبي عبيدة بن الجراح أمين الأمة وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان ومعاذ بن جبل أعلم المسلمين بالفرائض، لتفقد دولة الإسلام في بداياتها كوكبة من أبرز القادة العسكريين والدينيين داخلها على يد الطاعون.

طواعين بني أمية

الطاعون في التاريخ الإسلامي

فتك مرض الطاعون في مختلف أنحاء الدولة الأموية، إلى الحد الذي جعل ابن حجر العسقلاني بأنها لم تنقطع في عهدها، حيث أصيبت الدولة فيما بين ١٥ إلي ٢٠ طاعون بمتوسط موجة وبائية كل أربع سنوات ونصف، وأدت في النهاية إلى سقوطها على يد العباسيين.

اتسمت الطواعين الأموية بعدد من السمات، تبدأ بوفاة الكثير من رجالها البارزين بسبب الطاعون، وبدأت بالمغيرة بن شعبة والي الكوفة وأحد كبار الصحابة ومبعوث جيش المسلمين إلى رستم قائد جيوش الفارسية، فعندما ضرب الطاعون مدينته خرج منها، وبعد انتهائه عاد ليصاب به ويموت، وكان رجل الدولة الثاني الذي يموت بالطاعون هو أمير العراق زياد ابن أبيه، وهو أحد السياسيين الذين ثبتوا دعائم الخلافة الأموية، ووالد عبيد الله بن زياد أحد المشتركين في قتل الحسين بن علي، ويذكر الذهبي أن سبب إصابة زياد بن أبيه بالطاعون هي دعوة ابن عمر عليه عندما طلب من معاوية أن يوليه الحجاز، حيث كانت دعوته أن يموت، ولا يقتل لأن في القتل كفارة له، وبالفعل أصيب بالطاعون في إصبعه فمات، ووصل الوباء لداخل البيت الأموي، بل لأبناء الخلفاء أنفسهم، مثل ولي العهد أيوب ابن سليمان ابن عبد الملك (٩٦ ه -٧١٦م)، عبد الملك ابن عمر بن عبد العزيز مستشار أبيه عمر بن عبد العزيز( ت ١١١ ه – ٩٢٠م).

تعد ثاني الملامح العامة في الطواعين الأموية هو تدمير الروابط الاجتماعية التي عرفت عن المجتمع الإسلامي، لا سيما في مراسم تشييع الجنازات، ولم يسلم كبار السياسيين بما لديهم من نفوذ أو كبار التابعين بما لهم من ثقل ديني من هذا المصير، ومثال للنوع الأول هو والي البصرة عبيد الله بن معمر التيمي، والذي اضطر لاستئجار مشيعين مدفوعين الأجر من أجل حمل جنازة والدته، بحسب الطبري، ومثال النوع الثاني هو هند بن هند بن هالة بن ربيب النبي -عليه الصلاة والسلام- وحفيد أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، وعندما توفي بالطاعون كان قد حصد أرواح أكثر من ٧٠ ألف إنسان، فلم يشيعه أحد، فصرخت نادبته قائلة “وا هنداه بن هنداه”، وربيب رسول الله، فترك الناس جنازتهم وساروا حاملين تلك الجنازة احتراما للرسول صلى الله عليه، وسلم.

يعد الملمح الثالث في الطواعين الأموية، هو تأثيرها الكبير على الصراعات السياسية، ولعبت دور مباشر في أخطر محاولة لإنهاء حكم الأمويين، وهي ثورة عبد الله بن الزبير، الذي نجح في فترة وجيزة في التحكم في معظم أجزاء الدولة الإسلامية في الشرق عدا الشام فقط، ولكن الطاعون قلب موازين السياسة والحرب لصالح دولة بني أمية.

طاعون مصعب بن عمير

جاء طاعون مصعب بن الزبير (ت ٧٢ه-٨٨٩م)، وسمي على اسم شقيق عبد الله بن الزبير وأهم قادة جيوشه، نظراً للكوارث التي حلت بالجيش بسبب الطاعون، وكانت البؤرة الأولى للوباء في البصرة، ونظراً لتأثيره المدمر أطلق عليه المؤرخون أول طاعون جارف في الإسلام.

انتشرت صور الموت والفناء من جديد على مساحات واسعة من الدولة الإسلامية، والتي ضربها الطاعون عبر اثنين من الموجات الوبائية، كانت البصرة والعراق مركز الموجة الأولى.

كان الموت يحصد الآلاف يومياً، ويحول المدن المكتظة إلى بلدات خاوية على عروشها، ففي إحدى الجمع كان عدد المصلين بالمسجد الجامع في المدينة ٧ رجال وسيدة، وعندما سأل الإمام عن باقي المصلين ردت المرأة بعبارة وجيزة “تحت التراب”.

ترك الطاعون الجارف أو طاعون مصعب مأساة في كل منزل، ودمر النسيج الاجتماعي للأسر بخسارتها زهرة شبابها وفتياتها في وقت سريع، حيث كانت نسبة الوفيات في الشباب مرتفعة، حيث خطف الطاعون في شهر واحد ١٩ ألف عروس، وهو ما جعل الأجيال المتعاقبة تتجنب الزواج في شوال الشهر الذي حلت به تلك الكارثة.

كانت فواتير الطاعون السياسية كبيرة على كلا القوتين المتحاربتين، فاستغل البيزنطيون الوباء وبدأوا في مهاجمة الشام في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، واضطرته ظروف الوباء ووجود القوات المنافسة لابن الزبير عدم إرسال جيشه لقتال البيزنطيين واضطر لدفع جزية مقدارها ألف دينار أسبوعياً.

بينما كان الطاعون ضربة قاسمة لمصعب بن الزبير، حيث كان يحصد أرواح ٧٠ ألف شخص كل يوم في مقر جيوشه بالبصرة، ولذلك خسر القائد العسكري عدداً رهيباً من الجنود، وبالتالي نجح الخليفة في هزيمة مصعب بن الزبير بعد فقدان جيشه قدرات بشرية هائلة وعدداً كبيراً من كبار قادته.

لم يتوقف الوباء الجارف بعد قيامه بتغيير قواعد اللعبة السياسية، حيث كانت موجته الثانية أشد فتكاً من الأولى، والتي بدأها من البصرة مرة ثانية ولكن امتد لأراضي جديدة شملت الحجاز والشام واليمن.

كانت مشاهد الموت والدمار أكثر بشاعة من الموجة الأولى، وترك الطاعون الجارف أو طاعون مصعب مأساة في كل منزل، ودمر النسيج الاجتماعي للأسر بخسارتها لزهرة شبابها وفتياتها في وقت سريع، حيث كانت نسبة الوفيات في الشباب مرتفعة، حيث خطف الطاعون في شهر واحد ١٩ ألف عروس، وهو ما جعل الأجيال المتعاقبة تتجنب الزواج في شوال الشهر الذي حلت به تلك الكارثة، بحسب ما ذكره ابن أبي الدنيا في الاعتبار.

وحصد الطاعون في ٣ أيام فقط ٧٠ ألفاً، وكان يبيد أسر كاملة، فيقول المؤرخون أن الأسرة يكون عددها ٥٠ فرداً تنام فلا يستيقظ منهم أحد حي، وفق ما ذكره المبرّد (ت 286 ه – 899م) في كتابه “التعازي والمراثي”، وعندما وصل الوباء إلى مصر حاول وإليها عبد العزيز بن مروان النجاة منه بالخروج إلى حلوان ولكنه لم يسلم وتوفي في الصعيد.

طاعون الأشراف

بينما ضرب الدولة الأموية وباء آخر عام (٩٧ ه -٧٠٦م) في زمن عبد الملك بن مروان، وأطلق عليه “طاعون الأشراف” وذلك لأنه حصد أرواح العديد من وجهاء المجتمع، وذلك في عصر الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان أشد أوبئة العصر الأموي على المسلمين ليس بسبب كثرة عدد المصابين أو حالات الوفاة، ولكن لأن الناس وضعت بين مطرقة الطاعون وسندان القوانين والإجراءات الظالمة التي فرضها الحجاج بن يوسف على المواطنين، ولذلك نتج عن تلك الحالة الطاحنة حالة غضب من الشعب في الدولة الأموية حتى انتشرت مقولة “لا يكون الطاعون والحجاج”.

طاعون الفتيات

كان إحدى موجات الوباء الغريبة في عهد دولة الخلافة الأموية هو طاعون عام “87 ه -707م” والذي سمي بـ”طاعون الفتيات” وهو من أغرب الأوبئة في العصر الإسلامي حيث كانت بنات حواء هم معظم ضحايا البؤرة الأولى للوباء، يخفي الاسم الناعم لهذا الطاعون الكوارث الإنسانية التي خلفها، ويعبر تعبير عميق عن حجم معاناته، فلم يكن قاتلاً عادياً للناس، بل كان موتاً جماعياً للأسر يدخل المنزل ولا يخرج منه إلا وآخر فرد من الأسرة مردي ومتوفى.

أحاطت أشباح الموت بالسكان من كل جانب، حيث كان الوباء سريعاً وغير متوقع في حصد ضحاياه؛ مما جعل الناس ينتظرون الموت في كل لحظة، ذهبت الناس لحفر القبور بدلاً من بناء البيوت، وتساوت في ذلك الناس بين غنيهم وفقيرهم وعلمائهم وعامتهم، بل إن أحد كبار التابعين وهو بشير بن كعب بن أبي الحميري حفر قبرًا لنفسه منتظرًا مثواه الأخير بصبر وإيمان قارئًا آيات من القرآن حتى زاره الوباء حاصدًا روحه، بحسب ترجمته من ‘تاريخ دمشق”.

تأثير الطاعون على الدولة الأموية

يمكننا تسمية عصر الدولة الأموية عصر الوباء بكل أريحية نظرًا لأعداد موجات الطاعون التي ضربت أرجاء الدولة الإسلامية، 6 طواعين جارفة و 14 طاعونا أقل ضررًا، وما حصدوه من أرواح، مما كان له تأثير عميق على الحياة السياسية والاقتصادية للدولة، بل ومفتاح لفهم العديد من الحوادث والقرارات الغريبة التي اتخذها رجال الدولة الأموية.

قام الخلفاء الأمويون على الجانب السياسي بتطبيق العزل الطوعي لعدم إصابتهم بالوباء، وكثيرًا ما كانوا يفرون من دمشق إلى البادية، وأصبحت عادة ظاهرة يعدها المؤرخون عليهم، ولا تزال قصورهم في الصحراء شاهدة على ذلك، بل تطور الأمر للمحاولة إلى إيجاد عاصمة بديلة عن عاصمة الأمويين التاريخية دمشق بعد تحول الجغرافية الشامية لساحة للوباء، وذلك في عصر الخليفة هشام بن عبد الملك، حيث قرر بناء مدينة الرصافة وينقل مقر الحكم لها، وهو كان قراراً غريباً على معاصريه وانتقدوه قائلين “لا تخرج، فإن الخلفاء لا يُطعَنون، ولم نرَ خليفةً طُعن؛ فقال: أتريدون أن تجرّبوا بي؟!.

غيرت الطواعين من العادات البروتوكولية للبيت الحاكم، فعندما ضرب وباء في الشام، وفي عام (125 ه – 0744م)؛ حيث اضطر البيت الحاكم ليعطي البيعة للخليفة الجديد ليزيد بن الوليد (ت 126 ه – 745 م) في البادية، ورغم ذلك لم يرحمه الطاعون حيث وافته المنية يوم الأضحى بالطاعون، وهذا الوباء ظل سبع سنوات في الشام ومصر وشمال أفريقيا.

كانت الآثار الاقتصادية أكثر عمقًا عن سابقتها السياسية، حيث تراجعت واردات سواد العراق إلى موازنة الأمويين بنسبة 60% عن عصر الخلافة الراشدة مئة مليون درهم حيث كان قد بلغ مليون درهم، بعد فرار الناس من الحواضر الزراعية، وغيروا نشاطهم إلى الرعي في البادية، وأثر ذلك على موارد سواد العراق في عصر الحجاج بعد الوباء ليصبح 4 ملايين درهم، وهو ما يفسر إجراءات الحجاج القاسية ومحاولة إجبار المزارعين على زراعة أراضيهم، وهي لم تسفر إلا عن زيادة موارد الإقليم إلى 25 مليون درهم، أي أن معظمها ذهبت أدراج الرياح وكان خوف الناس من الوباء أشد رعبًا من سيف الحجاج وسياطه.

كانت إصلاحات الحجاج الزراعية في إقليم سواد العراق عندما اضطر إلى توطين الزنوج في الأراضي الخصبة جنوب العراق لها عواقب سياسية مدمرة، حيث أنشأ منطقة نفوذ لتلك الفئة المهمشة؛ مما مهد لثورتهم وتمردهم ضد سلطان الخلافة والذي استمر على مدى 15 عاماً.

بينما أثرت الطواعين على مستوى الجيش الأموي رغم الفتوحات الأموية الواسعة التي أدت لأن تصل الدولة من حدود الصين إلى الأندلس، ولكن تأثر الجيش في سنوات الطاعون حيث تآكلت قدراته البشرية إلى 10% من جيش معاوية، مما اضطر رجال دولة بني أمية إلى تطبيق التجنيد الإجباري للمزارعين ولأهل الذمة، حسبما بطريرك أنطاكية ديونيسيوس التلمحري (ت 230 ه – 845م) في كتابه ‘تاريخ الأزمان”.

الطاعون في التاريخ الإسلامي: العصر العباسي

وفرت الطواعين للثوار العباسيين فرصة نادرة لهدم دولة الأمويين بجيوشها التي فتحت العالم القديم من الصين إلى الأندلس، حيث ساعد اثنان من موجات الطاعون على هدم ما تبقى من الدولة الأموية، وهو طاعون غراب سنة 127 ه – 746 م وطاعون مسلم بن قتيبة 131 ه -750م.

بدأ كلا الوباءين من البصرة حيث ترسو السفن القادمة من موانئ الهند والصين، والتي حمل بضائع وأشخاص ناقلين للمرض، وينسب طاعون غراب لأحد رجال قبيلة الرباب، بينما استغل الأمويون طاعون مسلم بن قتيبة لتحقيق مكاسب سياسية وقاموا بوضع السم إلى الإمام العباسي حينئذ إبراهيم الإمام بن محمد بن علي داخل محبسه بحرّان، ليدعو أنه مات بهذا الطاعون.

وكانت الجنازات خير شاهد على طاعون 131 ه -750م الذي عجل بسقوط دولة الأمويين، فكان يعد المؤرخون في الطريق المؤدي للجنائز ” سكة المربد” ألف جنازة يوميًا، وأباد معظم سكان مدينة البصرة في هذا الوقت.

وقام البطريرك ديونيسيوس التلمحري في كتابه “تاريخ الزوق نيني” بوصف آثار الطاعون، حيث كان النعش الواحد يتسع إلى جثتين أو ثلاثة أو أربعة أطفال، وانتشرت الجثث في كل مكان سواء على الأرصفة والطرقات، ولم يتوقف تأثير الطواعين على سقوط البيت الأموي، بل أوقفت سلالة الفاتحين العظام للدولة الإسلامية مثل خالد بن الوليد (ت 21 ه – 634 م)الذي قتل له في أحد الطواعين 40 ابناً في الشام، فأصبح بلا نسل باقي.

وتوقف تأثير الطاعون في بداية الدولة العباسية، وهو ما عده خلفاؤها إحدى المنح الإلهية لدولتهم، حيث قال الخليفة أبي جعفر المنصور أنه من بركة حكمهم للدولة رفع الطاعون عنها، واختلف معاصروهم في هذه المنحة، وعارضها البعض مثل ابن عياش (ت 193ه – 809م) الذي رأى أن الله لم يجمع على الشعب العباسيين والطاعون في وقت واحد، بينما عدها آخرين مثل الجاحظ (ت 255ه – 869 م)إنها إحدى مميزات حكمهم.

طواعين عباسية

وطد انحسار الوباء في بداية العصر العباسي دعائم حكمهم للبلاد، ولكن لم يستمر سلوك الطاعون بهذا الشكل طيلة فترة دولتهم، فظهرت الطواعين مرة أخرى ولكن ليس بالوتيرة التي ظهرت عليها في العصر الأموي، ومنها طاعون عام ٣٤٦ه – ٩٥٧م، وتميز بشدة سرعته في الوفاة، بل إن أحد القضاة مات وهو يرتدي حذاءه، وطاعون عام (٤٥٢ ه – ١٠٦١م)، أباد قرى كاملة في الحجاز واليمن، ووباء ٤٤٩ ه الذي ضرب مدينة بخاري الواقعة في دولة أوزبكستان، وحصد أرواح ما يقرب ١.٦ مليون نسمة، وفقًا لما أورده ابن الجوزي (ت 597 ه – 1201م) في “المنتظم”، وتميز بأنه كان يصيب الشباب أكثر من الشيوخ، وانتشار المقابر الجماعية للضحايا، انتشر الطاعون في فارس والعراق، وطاعون ٤٦٩ ه – ١٠٧٧م الذي أصاب دمشق فقلل عدد سكانها من ٥٠٠ ألف شخص إلى ٣٠٠٠ شخص، ويظهر تأثيره في التركيبة السكانية أن المدينة كان بها ٢٤٠ خبار، فلم يترك الوباء سوي خبازين اثنين، وهو ما ذكره ابن حجر العسقلاني في “فضل الماعون”، وطاعون عام ٤٧٨ه في العراق والذي كان يحصد الناس بشكل جماعي لدرجة أن أهالي الدرب وهو حي سكني له منفذ واحد كان يبيدهم الطاعون، في غلق المجاورين لهم هذا المنفذ عليهم.

الطاعون في التاريخ الإسلامي: الطواعين المملوكية

ضرب الطاعون صورة سيئة من جديد في عصر الدولة المملوكية، حيث كان يأتي بمتوسط كل ١٧ عاماً، وكانت البؤرة الأولى للأوبئة حلب، والتي شهدت ثلاثة أوبئة كبار، والإسكندرية التي شهدت أربعة كبار، وذلك لأن كلتا المدينتين كانتا شريان التجارة بين العالم الإسلامي وأوروبا، بل وأشار بعض المؤرخين مثل ابن الوردي أن طرق انتشاره كانت هي طرق التجارة، وكان أسوأ تلك الموجات هو الطاعون الأسود الذي ضرب مصر عام ( ٨٣٣ ه -١٤٣٠م).

وقعت بعض القصص الطريفة أثناء تطبيق الإجراءات الاحترازية، ومنها قصة أحد الأعيان المسمى حسين بن محمد بن قرايلك عندما هرب في بستان بمنطقة فم الخور وعزل نفسه ولم يخرج من الحجر حتى في جنازة زوجته والصلاة عليها.

أثارت موجات الطاعون على دولة المماليك في طاعون عام ٧٤٩ ه – ١٣٤٨ م، حضر إلى مصر قبل موسم الحصاد، وظل يحصد في أرواح المصريين خاصة المزارعين منهم، فعندما جاء وقت الحصاد بقت المزارع واختفي أصحابها، فاضطر جنود الجيش للذهاب لحصد المحصول لأنفسهم، وأباد الطاعون ٤٠ قرية من ٢٢٠٠ قرية، وطاعون عام ٧٩٥ ه – ١٣٩٣م الذي ضرب بلاد الشام ، أفرغ مدينة حلب من سكانها.

الطاعون في التاريخ الإسلامي: الأطباء وعلاج الطاعون

اختلف الأطباء المسلمون في تشخيص وعلاج الطاعون، فيوجد علماء كبار مثل ابن سينا الذي لقب برئيس الأطباء وابن النفيس فسروا حدوث الطاعون بسبب فساد الهواء، وقسمها العالم الكبير ابن النفيس إلى الشهب والأجرام السماوية صيفا والمياه الملوثة والجيف.

وقام العلماء المسلمون بعملية تعقيم الهواء، والتي أسموها استصلاح الهواء كخطوة أولى لمعالجة الوباء، والبعض خصص فصولاً في كتبه العلمية عن طرق تعقيم الهواء مثل الطبيب الأندلسي محمد الشقوري والذي وصف استخدام بعض الوصفات والأعشاب الطبيعية تعقيم الجو وقسمها لنوعين الأول يناسب الأجواء الباردة مثل المر والكندر والسندروس، والثاني للأجواء الحارة والجافة مثل الورد والصندل والكافور والعود الهندي، وهذا ينطبق على المنازل التي يتم تبخيرها باستخدام العنبر والكافور والصندل، وهي خطوة مشابهة لما يحدث حالياً من عمليات تعقيم الشوارع والأبنية العامة لمكافحة فيروس كورونا.

وواجه الأطباء الطاعون بالعلاج الغذائي مثل اللحوم البيضاء للطيور وخل التفاح وخل الليمون والسماق، وشمل البرنامج الغذائي بحسب ابن الوردي البقوليات والطحينة وتجنب الفواكه والمرق.

بينما أوصى ابن سيناء بقصد المريض، وهو إخراج الدم منه، واعتبره من الإجراءات المهملة، ولكنه رآه بعضهم أنه إجراء بلا طائل، وهو ما جعل أمير العراق زياد بن أبيه عندما أصيب بالطاعون في يده دعاه الأطباء لقطعها.

ولم تؤدي العلاجات الطبية إلى فائدة في الحد من انتشار المرض، مما جعل بعض الأطباء يعترفون أنه بلا علاج وأنه لا دافع له سوى الله، وانتقد السيوطي تلك العلاجات موضحاً أن سبب عدم جدواها هو أنها بنيت على نظرية أن السبب في الوباء هو الهواء الملوث، والبعض رمى الأطباء نتيجة عجزهم بالجهل مثل أبي المظفر السرمري (ت ٧٧٦ ه -١٣٤٧م).

الفقهاء والطاعون

كانت إحدى المسائل الخلافية عند الفقهاء مسألة العدوى في شأن الطاعون في التاريخ الإسلامي، حيث فسر بعضهم حديث “لا عدوى” بانتقاء وجود العدوى، والبعض مثل ابن حجر العسقلاني وضع تجاربه الشخصية كمقياس لمسألة العدوى، حيث زعم بعدم وجود عدوى؛ لأن بعض المخالطين للمصاب لا يصابون، وهو ذاته توفت ابنتاه عالية وفاطمة من الطاعون وكان يقوم بشؤونهما ولم يصب، وغفل ابن حجر المعايير الحديثة لانتقال العدوى وهي مناعة الشخص ونوع المرض وطريقة العدوى.

ويوجد عدد آخر من الفقهاء أجاز العدوى ومنهم ابن السبكي، والذي ربط الأمر برأي الأطباء الذين إذا أقروا بوجود عدوى يجب الامتناع عن مخالطة المريض.

وكانت الأندلس أكثر حسما في قضية العدوى بسبب الازدهار الطبي، حيث أكد لسان الدين بن الخطيب في رسالته “مقنعة السائل عن المرض الهائل” أن العدوى ثابتة بالتجربة والمشاهدة، وهاجم المفتين الذين ينكرونها واعتبر ذلك جراءة على الله واسترخاص لنفوس المسلمين، وكانت تلك الرسالة ورسالة ابن خاتمة الأنصاري (ت ٧٧٠ ه -١٣٦٨م) كانت أسبق من الطبيب الإيطالي جيرولا فراكاستورو (ت ١٥٥٣) مؤسس المدرسة الغربية في العدوى في كتابه الصادر بمدينة البندقية عام ١٥٤٦م.

تقيد الفقهاء بنصوص الشرع في مسألة الأوبئة، ومنها مسألة الحجر الصحي وعدم الخروج من المنطقة المصابة بالطاعون، فابن عبد البر يذكر أنه لم يخرج أحد من العلماء فرارا من الطاعون، حتى إن عالماً يسمى علي بن زيد بن جدعان خرج من البصرة بسبب الطاعون وبخه المصلين في صلاة الجمعة ونعتوه بالفار من الطاعون، ولكن لم تكتمل لديهم صورة الحجر الصحي مثل الصحابة الأوائل في طاعون عمواس عندما فرق الجنود عند رؤوس الجبال، ورأى بعض أئمة التابعين بجواز الفرار من الطاعون مثل مسروق بن الأجدع (ت ٦٣ ه -٦٨٤م)، والأسود بن هلال (ت ٨٤ ه -٧٠٤م).

ويرجع القصور في بعض المفاهيم والأدلة الفقهية بسبب قلة المعلومات والحقائق العلمية والطبية الموجودة والتي تمكن الفقيه من بناء حكم فقهي واضح مستند إلى معلومات، فكان معظم الأحكام اجتهادية.

الإجراءات الاحترازية

لا يعني قصور الجانب الطبي أو الفقهي إغفال الناس لتطبيق الإجراءات الاحترازية في مواجهة الطاعون في التاريخ الإسلامي، والتي بدأت منذ طاعون عمواس، فكان تعقيم المدن أو تبخيرها وفق مفهوم عصرهم إجراء أساسي لأي مدينة منكوبة، وفي القاهرة كان مركز عملية التبخر مسجد التنور بالمقطم حيث يوقد داخله بمواد عطرية مثل الطرفاء واللبان والمندروس لتفوح في أرجاء القاهرة.

كان الإجراء الثاني تجنب الأماكن المزدحمة لأماكن أفضل، فأهل القاهرة كانوا ينتقلون لجزيرة الروضة، وهو ما كان يقوم به السلطان نفسه في التوجه لمنطقة سرياقوس ومغادرة القلعة في وقت ذروة المرض، وصولا لتطبيق التباعد الاجتماعي في وقت الوباء، والامتناع عن زيارة المطعون، بل وتعدى الأمر إلى محاولة التهرب من جنازته باختلاق أعذار المرض.

ووقعت بعض القصص الطريفة أثناء تطبيق الإجراءات الاحترازية، ومنها قصة أحد الأعيان المسمى حسين بن محمد بن قرايلك عندما هرب في بستان بمنطقة فم الخور وعزل نفسه ولم يخرج من الحجر حتى في جنازة زوجته والصلاة عليها.

المستفيدون من الأوبئة

يقول المتنبي مصائب قوم عند قوم فوائد، وتعددت الفوائد التي جناها بعض الناس من الأوبئة، ويأتي على رأس المستفيدين أصحاب مهنة الحانوتي، حيث كثر الطلب عليهم لدرجة أنهم كانوا يتقاعسون عن الزبائن بسبب وفرة الرزق والعمل.

وتلتها مهنة قراءة القرآن على الجنائز حيث بلغ أجر القارئ ١٠ دراهم، وكذلك الحمالين حيث بلغ أجر الواحد منهم ٦ دراهم في الجنازة، بينما تأتي أغلى الأجور كانت لحفار القبور، حيث بلغ أجر حفر قبر واحد ٥٠ درهماً.

ولم يتوقف عملية الاستفادة على الجنازة والقائمون عليها، بل يذكر المؤرخين أن السلاطين كان لهم النصيب الأكبر من الاستفادة من مصيبة الطاعون، حيث صادروا أموال المتوفين الذين لا وارث لهم، بل أسسوا صندوقاً مالي تخصص في أموال هؤلاء المتوفين، وسموه الديوان الحشري.

كما وجدت في العصر الإسلامي صور شبيهة بما نراه في أزمة كورونا من الأرباح الطائلة وارتفاع أسعار الكمامات ومواد التعقيم، حيث كانت ترتفع أسعار المواد التي تدخل في الأدوية التي يكتبها الأطباء والوصفات من دجاج وبطيخ وخيار وسكر، كما ارتفعت أسعار مواد تعقيم هذا العصر مثل الكافور والمواد المستخدمة في تجهيز الموتى، مثل السدر والقطن.

كما أدى معدلات الوفيات المرتفعة لقلة الأيدي العاملة وارتفاع أسعارها، حيث أصبح أجر راوي الماء 8 دراهم، وأجر طحن الحبوب 15 درهماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!