التاريخ والحضارة

كيف تحول المغول إلى إمبراطورية إسلامية؟

المغول والإسلام؟ كيف تحول المغول إلى إمبراطورية إسلامية؟ بعد أن دمروا بغداد جاءت معركة عين جالوت؛ التي تغلب فيها سيف الدين قطز على قائد المغول، وتمّكن من هزيمتهم هزيمة نكراء. ووردت هذه القصة في العديد من الأفلام، والعديد من الكتب العربية. والأعمال السينمائية تناولت الموضوع من وجهة نظر معادية للمغول، حيث ظهر المغول على أنهم بشر يمتازون بالوحشية، ويعشقون القتل والدمار.

  • المغول هم مجموعة من القبائل البدوية التي كانت تسكن في منغوليا وسيبيريا وكذلك منشوريا، وكان جنكيز خان أول من وحّد هذه القبائل في جيش منظم.
  • بدأت علاقة المغول والإسلام بتحول أحد أبناء جنكيز خان “جوجي خان” إلى اعتناق الإسلام وقتاله لابن عمه هولاكو.
  • كما بدأ “جوجي خان” الذي تغير اسمه إلى بركة خان بمراسلة بعض الملوك والأمراء المسلمين مثل الأمير بيبرس، وعقد اتفاقات صداقة، وتعاون فيما بينهم.
المغول يقاتلون بالسيف
المغول في أحد المعارك

من هم المغول؟

مجموعة من البشر سكنوا منطقة شمال الصين، وكانت ديانتهم وثنية؛ فقد كانوا يعبدون الشمس، وأشياء أخرى.

كما اعتنقوا العديد من الديانات على مدار تاريخهم؛ أشهرها الديانة الشامانية؛ التي كانوا يؤمنون فيها بأن هناك عالماً آخر تسكنه الآلهة، والشياطين. وفي هذه الديانة كان يلجأ الأشخاص العاديين إلى السحرة، والكهنة؛ لكي يساعدوهم في التخلص من الأمراض.

وفي بعض الكتب التاريخية تم وصفهم بلفظ التتار؛ وهو لفظ مشهور أطلق على الجيوش التي غزت معظم أنحاء العالم لجنود: المغول، والترك، والسلاجقة، والإيجور.

في الحقيقة يبدأ الأمر عند جنكيز خان القائد العسكري الذي كان يتمتع بمواهب عديدة تجعله متميزًا عن بقية القادة الآخرين. كما عمل هذا القائد على أن يجمع شمل الترك، والمَغولْ، ومجموعة من سكان مناطق شمال الصين في بدايات القرن الثالث عشر. وبعد أن وحدهم تحت شعار مملكته الجديدة؛ ووضع القوانين لهذه المملكة؛ ومن هنا نشأت مملكة المَغُول.

في هذه الآونة التي نشأت فيها مملكة المَغولْ؛ كانت دولة محمد شاه، أو علاء الدين محمد الخوارزمي والمعروفة بالدولة الخوارزمية قد بدأت في الاتساع والانتشار داخل قارة آسيا. وفي حين تمكن جنكيز خان من الحصول على منغوليا بالكامل؛ كان محمد شاه قد تمكن من الحصول على أفغانستان؛ ليكونا في مواجهة بعضهما البعض.

جنكيز خان ومحمد شاه

وبدأت الخلافات بين المملكتين عندما أرسل جنكيز خان مجموعة من الرسل إلى محمد شاه يطلب منه إقامة علاقات تجارية بين المملكتين. ولكن محمد شاه قد ساورته الشكوك حول هؤلاء الرسل، وظّن أنهم جواسيس؛ اعتقادًا منه بأن جنكيز خان يرغب في الحصول على الدولة الخوارزمية. فقتل محمد شاه الرسل المبعوثين من جانب جنكيز خان؛ وهذا هو سبب غزو جنكيز خان للدولة الخوارزمية التي تمكنت الدولة المغولية من القضاء عليها عام 1231.

شعب المغول يركبون الأحصنة ويحملون السلاح ويلبسون الفرو
شعب المغول

أبناء جنكيز خان

قبل أن يتوفى جنكيز خان في عام 1227؛ قرر أن يوزع مملكته الكبيرة على أبنائه الأربعة. وأبرز هؤلاء الأبناء هو تولي خان؛ الذي كان إرثه من هذه الإمبراطورية الكبيرة منطقة خراسان.

ليتوّسع بعد ذلك، ويستحوذ على العراق، وديار بكر؛ آملا أن يحقق هذا الإنجاز قبل وفاته؛ لكنه تمكن من الحصول على الإمارات الفارسية، وتوفي في عام ١٢٢٩؛ ليتولى هذه الإمبراطورية الصغيرة ابن هولاكو. ويستطيع هولاكو أن يسقط بغداد، ويستمر في الزحف حتى يصل إلى مصر. ليلقى في مواجهته سلطان المماليك سيف الدين قطز، ويلتقيان أمام بعضهما البعض في معركة عين جالوت، وينتصر قطز على هولاكو.

المغول في السينما الهندية

تتميز السينما الهندية بكثرة الاستعراضات الموجودة في أفلامها، بالإضافة إلى تبنيها الطابع الدرامي؛ لكن أهم ما يميز الأفلام الهندية؛ هي أنها تعبر عن مختلف الأديان دون أي تحيز إلى أي ديانة. وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن الهند قد مرت على مدار تاريخها باعتناق مواطنيها مجموعة من الديانات المختلفة، وبما أن المجتمع الهندي ذاته يتقبل فكرة الاختلاف في الأديان، ويتحدث عنها خلال الأفلام التاريخية، وغيرها من الأعمال الفنية دون تحيز لأي ديانة عن الأخرى.

وردت مملكة المَغولْ في العديد من الأفلام الهندية. لكنها تصف كمملكة إسلامية خلال حكمها للهند. وهنا نحتاج إلى تفسير، هل المَغولْ هم بشر متعطشون للدماء. وإمبراطورية باطشة تقضي على الأمم المتواجدة في زمانها؟ أم أنهم مسلمون يتميزون بالسماحة، والإنسانية، ويتصفون بصفات الدين الإسلامي؟

تمثال جنكيز خان فضي يحمل سيف، وهو قائد المغول
تمثال جنكيز خان

كيف تحول المغول إلى إمبراطورية إسلامية؟

جوجي خان، وتحوله إلى بركة خان

أما عن باقي أبناء جنكيز خان؛ فقد كان إرث ابنه جوجي خان؛ منطقة القوقاز وبعض المناطق من روسيا. لكن ما علاقة هذا الأمر بتحول الدولة المَغوليّة إلى إسلامية؟

يبدأ أمر المَغُولْ والإسلام من عند الابن الرابع لجنكيز خان وهو جوجي خان. هذا الابن الذي تولى قيادة مغول الشمال. وأثناء حكم جوجي خان ظهر شيخ صوفي يدعى نجم الدين كبرى. الذي سافر إلى مدينة خوارزم؛ ليعلم طلاب العلم حول الدين الإسلامي. وقد خرج من تحت يد نجم الدين كبرى مجموعة من الشيوخ المشهورين؛ لذلك أطلق عليه صانع الأولياء.

ومن بين هؤلاء التلاميذ الذين تتلمذوا على يد نجم الدين كبرى: شيخ يدعى الباخرزي. الذي كان واحدًا من بين التلاميذ الذي أرسلهم نجم الدين كبرى إلى مجموعة من البلدان لنشر الدعوة الإسلامية. وقد أرسل سيف الدين الباخرزي إلى جوجي خان ليدعوه إلى الإسلام؛ فأسلم وأسلمت زوجته، وتغير اسمه إلى بركة خان. ومن هنا بدأت قصة الدولة الإسلامية من الأصل المَغُولي.

يذكر أنه فيما بعد بايع بركة خان المستعصم؛ قبل أن يتولى بركة خان حكم القبيلة الذهبية؛ خلفًا لأخيه الأكبر باتو.

بركة خان ينشر تعاليم الإسلام عند توليه حكم القبيلة الذهبية

بدأ بركة خان في نشر تعاليم الدين الإسلامي بعد توليه حكم القبيلة الذهبية. ومن إنجازاته أنه أكمل بناء مدينة سراي؛ واتخذها عاصمة للقبيلة، وأنشأ بها العديد من المساجد، وتمكن من أن يجعلها أكبر مدن العالم في ذلك الوقت.

وفي الآونة التي تولى فيها بركة خان قيادة القبيلة الذهبية، وكان ينشر تعاليم الإسلام. كان ابن عمه هولاكو يهاجم بوحشية مجموعة من بلاد المسلمين؛ ليسقط بغداد في عام ١٢٥٨. ويتمكن من الوصول إلى مصر لتتم هزيمته على يد قطز في معركة عين جالوت.

مواقف بركة خان تجاه الشعوب المسلمة

في أثناء فترة حكم هولاكو، وهجومه على مجموعة من بلاد المسلمين؛ طلب المساعدة من أخيه مونكو خان. في هذه الآونة طلب بركة خان من أخيه باتو؛ أن يتدخل لوقف هذه الحرب تجاه المسلمين؛ كونه قد أبرم معاهدات سلام بينه وبين المسلمين، وأصبحوا الآن أصدقاء. وافق باتو على اقتراح أخيه بركة خان، وتمكن من إقناع مونكو لإنهاء الحرب.

بعد ذلك، وبعد تولى بركة خان الحكم خلفًا لأخيه باتو؛ سعى بركة إلى إقناع باقي المغول لاعتناق الدين الإسلامي.

في هذه الآونة كان الظاهر بيبرس هو من خلف سيف الدين قطز في حكم دولة المماليك في مصر والشام. فتواصل معه بركة خان عبر رسائل مستمرة؛ مما ما أثار الكثير من الفتن بين قادة المغول.

الحرب بين بركة خان وابن عمه هولاكو

لم تجري الأحداث بهدوء بين بركة خان، وابن عمه هولاكو لفترة طويلة. فتواجهوا معًا في حرب استعان فيها هولاكو بقوات أرمينية، وصليبية. لتوطيد علاقته مع هذه القوات؛ زوّج ابنه من ابنة إمبراطور القسطنطينية؛ ليقوي بذلك العلاقات، ويجمع جنوده، وحلفائه ويستعد لمواجهة بركة خان.

لكن ما حدث بعد ذلك جاء في مصلحة بركة خان، وفي مصلحة الإسلام. حيث تولى تكوادور أحمد السلطة خلفًا لابن هولاكو، وأسلم تكوادور أحمد ليكون بذلك أول أبناء تولى خان من المسلمين.

ولم يستمر تكوادور أحمد في السلطة طويلاً. لأن ابن أخيه أرجون قد دبّر مكيدة، وحثّ على انقلاب ضد تكوادور أحمد ليخلفه في الحكم. وبالفعل تولى أرجون الحكم، ولكن لفترة قصيرة منذ عام ١٢٨٤ وحتى عام ١٢٩١.

وفي خلال هذه الفترة تمكن المسيحيون من استعادة مكانتهم بين المغول. وجرت عمليات اضطهاد كبيرة للمسلمين؛ حيث تم إقصائهم من مناصب القضاء، والمناصب المالية. في حين بقي خلفاء تكوادور أحمد على ديانتهم الوثنية؛ لحين إعلان الدين الإسلامي الدين الرسمي في بلاد فارس. وكان ذلك في فترة حكم غازان.

إسلام غازان

وردت في كتب العالم ابن كثير بعض الروايات عن إسلام غازان. كما ذكره أيضًا بعض المؤرخين في كتاباتهم؛ حيث يروون قصة إسلامه في عهد الأمير توزون.

ويذكر ابن كثير في كتبه أن غازان أحد ملوك التتار قد أسلم على يد الأمير توزون. وبعد ذلك اعتنق عدد كبير من التتار الإسلام، واحتفل الأمير بإسلامه، حيث وزع الذهب والفضة على الناس. ويذكر لغازان أنه قد ردّ الكثير من المظالم في بلاد المسلمين، وفرض الجزية على الكنائس والمسيحيين.

هل أسلم أحد من ذرية جاغطاى خان؟

هذا الفرع من المغول لم ترد في أخباره الكثير. وهذا هو الفرع الذي تولى حكم المنطقة الوسطى من الإمبراطورية الكبيرة للمغول.

لكن ما ورد في أخبارهم أنهم كانوا يستعينون في كثير من فترات حكمهم بوزير من المسلمين. مع أنّ التاريخ يذكر أن جاغطاى كان معادياً للمسلمين، بل إنه من أكثر أعدائهم مقارنة بقادة المغول الآخرين.

ويذكر أن الإسلام دخل إلى هذا الفرع عن طريق زوجة كرا هولاكو وهو أحد أحفاد جاغطاى خان التي علمت ابنها تعاليم الإسلام، الذي تولى الحكم في عام ١٢٦٤. لكنه لم يبق في الحكم طويلاً حيث تمكن براق خان من خلعه من الحكم. ويذكر أن الإسلام لم يظهر في هذا الفرع بشكل واضح إلا بعد إسلام طرما شيرين في عام ١٣٢٦.

قصة إسلام تغلق تيمور

ومن بين الأخبار التي وردت في إسلام هذا الفرع أنه كان هناك مملكة صغيرة منشقة عن هذه المملكة يطلق عليها مملكة كاشغر. حيث أسلم ملكها تغلق تيمور على يد جلال الدين، أحد علماء المسلمين القادم من مدينة بخارى.

والقصة التي وردت في إسلام تغلق تيمور: تروى أن جلال الدين برفقة مجموعة من التجار قد دخلوا الأراضي المخصصة للصيد لدى الأمير. فأصدر الأمير أوامره بالقبض عليهم وتوثيقهم، واستجوبهم بنفسه وسألهم الأمير كيف أتت لهم الجرأة لدخول الأراضي المخصصة للصيد لدى الأمراء؟

فأجاب جلال الدين بأنهم من غير سكان هذه المنطقة، وأنهم غرباء ولم يعلموا أنها مخصصة للأمراء. ثم سألهم الأمير عن موطنهم، وعندما علم أنهم من الفرس، رد الأمير بمقولته المشهورة “الكلاب أغلى من الفارسيين”.

وكان رد جلال الدين مفاجئًا؛ حيث رد على الأمير “نعم؛ الفارسيون أخس من الكلاب، وأقل ثمنًا، لو أنهم لم يدينوا بدين الإسلام”. وتابع الأمير حديثه مع جلال الدين، وسأله عن دين الإسلام، فعرض عليه جلال الدين أن يخبره عن تعاليم الدين الإسلامي. فأعجب بها الأمير تغلق تيمور، وطلب من جلال الدين أن يساعده في أن يقنع رعاياه لاعتناق هذا الدين.

يذكر في هذا السياق أن تغلق تيمور قد نجح في توحيد الإمبراطورية المغولية بعد أن تشققت إلى عدة ممالك صغيرة.

هل أسلم أحد من سلالة أوقطاي خان؟

تميزت هذه السلالة من بين أبناء جنكيز خان بأنها احتوت على العديد من الملوك الذين فتحوا العديد من البلدان وهم من حكموا الجزء الشرقي من إمبراطورية المغول.

وفي عهد أوقطاي خان، انتشر مجموعة من الدعاة إلى الدين الإسلامي في مملكته، وأسلم انندا أحد أحفاد قوبيلائي، وأسلم خلفه معظم سكان تانجوت. وبذلك يكون الإسلام قد ظهر في مختلف سلالة أبناء وأحفاد جنكيز خان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Don`t copy text!