التاريخ والحضارة

أسباب سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية

يُرجع المؤرخون سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية لعدة أسباب. حيث إن الإمبراطورية فقدت نفوذها وتوازنها بالقرن الخامس الميلادي، فلم تعد قادرة على إعادة هيبتها بعد الكثير من الحروب والغزوات التي خاضها البربر من خارج الإمبراطورية.

وذلك فضلاً عن الكثير من المشاكل السياسية والكساد الاقتصادي والتقهقر العسكري، حتى سكان المنطقة انخفض عددهم بسبب الطاعون وتدهورت حالتهم الاقتصادية والاجتماعية داخل الإمبراطورية المنهارة.

الإمبراطورية الرومانية الغربية (Western Roman Empire)

قامت حكومة ديوكلتيانوس (بالإنجليزية: Diocletianus) بتقسيم الإمبراطورية الرومانية عام 359 م. فأصبح هناك الإمبراطورية الرومانية الغربية والإمبراطورية الرومانية الشرقية (الإمبراطورية البيزنطية)، بعدها تم فصل روما كعاصمة عن الإمبراطورية وجعل مدينة ميديولانوم (بالإنجليزية: Mediolanum) هي عاصمة الإمبراطورية الغربية، إلا أن الأمر لم يستمر طويلاً حيث تم تبديل العاصمة مرة أخرى بمدينة رافينا عام 402 م.

أصبحت الإمبراطورية متزعزعة المكانة بسبب الانفصال على يد ديوكلتيانوس ومحاولات لدمج الإمبراطوريتين مرة أخرى على يد قسطنطين الأول عام 324 ويوليان المرتد عام 363 م.

بعد وفاة آخر حاكم للإمبراطورية الموحدة وهو ثيودوسيوس الأول (بالإنجليزية: Theodosius I) عام 395 م. أصبحت الإمبراطورية منقسمة بشكل رسمي حتى سقطت عام 480 سقوط غير رسمي عقب وفاة الحاكم يوليوس نيبوس بنفس العام، بعدها بدأ عهد جديد في تاريخ أوروبا وهو عهد “العصور المظلمة“.

أسباب انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية

أصبحت الإمبراطورية الرومانية الغربية لغزاً حير الكثير من المؤرخين الذين بحثوا عن أسباب منطقية وأدلة لا فصل فيها نحو هذا الانهيار، فمثلاً:

رأي المؤرخ إدوارد جيبون (Edward Gibbon)

هو مؤرخ إنجليزي، كتب كتاب عن الإمبراطورية الغربية عام 1776 م، أسماه “انهيار الإمبراطورية الرومانية وسقوطها” و(بالإنجليزية The Decline and Fall of the Roman Empire). حقق هذا الكتاب رواج واسع، حيث حاول من خلاله جيبون البحث عن سبب سقوط الإمبراطورية.

رأي المؤرخ جلين دبليو بورسوك (Glen W. Bowersock)

مطلع القرن الثامن عشر كان بداية اهتمام الكثير من المؤرخين لكشف سِر انهيار الإمبراطورية الرومانية الغربية. إذ أعرب المؤرخ جلين عن خوفه من تعرض أي صرح سياسي أو دولة مهيبة للانهيار كما حدث مع الإمبراطورية الغربية. لذا يسعى المؤرخين لمعرفة أسباب انهيارها حتى نتفادى تلك السقطات بالمستقبل.

رأي البروفيسور ألكسندر ديماندت (Alexander Demandt)

قام البروفيسور ألكسندر وهو مفكر ألماني وباحث عن أهم العوامل المُسببة لضمور الإمبراطورية الرومانية الغربية، حيث استطاع جمع حوالي 210 نظريات وربطهم بسر تفتت هيبة روما، هذه النظريات لاقت استحسان كبير وكانت محل دراسة وبحث منذ عام 1984م وحتى اليوم.

تاريخ سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية

يعتبر التاريخ الرسمي لتدني وضع روما وسقوطها هو 4 سبتمبر عام 476 م. آنذاك كان آخر حاكم للمملكة وهو رومولوس أوغسطس (Romulus Augustus) قد تم عزله بشكل نهائي من الحكم، هذا الحاكم المعزول قام شيخ القبائل الجرمان أودواكر (Odoacer) بتنصيبه للحكم، إلا أن الكثير من المؤرخين لم يرجحوا هذا السبب وراء تدهور حالة الإمبراطورية لمدة زمنية استمرت أربعة قرون متتالية.

فبداية الانهيار الحقيقي للإمبراطورية كانت بعد مرورها بالكثير من المآسي والأحداث المُفجعة مثل:

  • نشوب معركة أدريانوبل (Adrianople) سنة 378 م.
  • موت الإمبراطور ثيودوسيوس الأول (Theodosius I) سنة 395 م.
  • حفر نهر الراين وهو نهر موجود في أوروبا وتشارك فيه هولندا، ألمانيا، فرنسا وسويسرا، تم حفره على يد سكان القبائل الجرمانية سنة 406 م.
  • إعدام قائد عسكري بالجيش الروماني يُدعى ستيليكو (Stilicho) سنة 408 م.
  • نهب روما ومقتل حاكمها (Sack of Rome) سنة 410 م.
  • موت نجل الإمبراطور البيزنطي الشهير هرقل وهو الحاكم قسطنطين الثالث (Constantius III) الذي وافته المنية عام 421 م.
  • موت أيتيوس (Aetius) سنة 454 م.
  • وفاة حاكم روما الثاني عام 455 م.
  • موت الإمبراطور ماجوريان (Majorian) سنة 461 م.

لذا تم وصف مراحل سقوط روما بمفهوم “التحول المعقد”، أي أن عوامل السقوط كانت عكسية وليست أمامية. من هنا وصل بعض كُتاب التاريخ إلى نقطة النهاية. حيث كانت الإمبراطورية الرومانية الشرقية تحترم الحاكم يوليوس نيبوس (Julius Nepos) آخر حاكم فعلي للإمبراطورية الرومانية المنقسمة. فهذا الرجل عاش في استقرار بمدينة دالاماتيا حتى تم قتله غدراً عام 480م، بموته تم تأريخ سقوط الإمبراطورية الرومانية.

ليخلف بعد الروم عهد القوط الشرقيين وهم بعض القبائل الجرمانية التي سكنت أوروبا بتلك الحقبة، هذه القبائل قررت الالتزام بالتقاليد والأعراف الرومانية، بعدها صارت الإمبراطورية الشرقية على نفس المسار المتدني على مدار سنوات عديدة تحديداً منذ عام 1000م حتى عام 1453 م عندما تم غزو القسطنطينية من خلال هجمات العثمانيين.

العصور القديمة المتأخرة

رغم كل ما تعرضت له روما من مشاكل سياسية واقتصادية وحربية على مدار سنوات عديدة، إلا أن المؤرخ إدوارد جيبون (Edward Gibbon) يرى من خلال كتابه عن سقوط روما، أنها حضارة عُرفت على مر العصور بسبب سقوطها وضعفها وليس بسبب هيبتها وقوتها.

أما المؤرخ جيلين باوروك فله رأي آخر، حيث يرى أن ظهور العصور القديمة المتأخرة بعد هذا الانهيار، سبب في زعم البعض أن الثقافة الرومانية استمرت بتلك الحقبة المُضنية تقاوم وتحاول الثبات وترك أثر حميد بالتاريخ.

الغريب أن بعض الباحثين في تاريخ سقوط روما، يروا أن سنوات التدهور لم تكن مائة عام كما يعتقد البعض، بل البداية الحقيقية للانحدار كانت مع عهد الحاكم كومودوس الذي شارك والده ماركوس في الحكم حتى وفاته عام 180، ليصبح بعدها كومودوس الحاكم الفعلي الذي حول روما من إمبراطورية ذهبية إلى إمبراطورية من الحديد الذي أكله الصدأ.

هذا الرأي رجحه أيضا جيبون في كتابه عن سقوط روما، بينما اتفق المؤرخ جيمس بيرك وأرنولد جي توينبي (بالإنجليزية: Arnold J. Toynbee)‏ أن منذ فترة حكم الجمهوريين وروما تعاني من تدهور سياسي واقتصادي، أما الكاتب ثيودور مومسن الذي كتب كتاب “تاريخ روما” عام 1856 م والحاصل على جائزة نوبل، يرى أن نهاية روما لم تكن بعام 476 كما زعم جيبون، بل القرن الثالث الميلادي ومشاكله هي السبب وراء هذا السقوط ومن أهم هذه الأزمات:

أزمات وأزمات ثم سقوط

  • كثرة الحروب الأهلية والهجمات البربرية.
  • تفشي مرض الطاعون القبرصي بالبلاد وكثرة عدد ضحاياه، يعتبر هذا ثاني طاعون يجتاح المملكة. حيث إن هناك طاعون أنطوانياً دمر الإمبراطورية وتسبب في الكثير من الوفيات من عام 165 م حتى عام 180.
  • انقسام الإمبراطورية عام 260 م إلى منطقة الغالية الغربية حتى عام 274، مملكة تدمر الشرقية حتى عام 273.
  • تخلي الإمبراطورية الرومانية عن منطقة داسيا عام 271 م وهي مقاطعة توجد في شمال نهر الدانوب.
  • اجتاحت الجماعات البربرية أراضي حول حدود نهر الدانوب ونهر الراين. حيث إنهم طوروا من طرق الزراعة بتلك المنطقة مما زاد من عددهم وطغيانهم.

ورغم نجاة روما من هذا العصر المليء بالأزمات. إلا أن المملكة تحولت إلى نظام بيروقراطي يفتقر للخبرة السياسية والعسكرية. كما أن الطبقة الأرستقراطية قررت عدم مد يد العون لصفوف الجيش وقادتها خاصة بعهد الحاكم غالينوس. مما زاد من وهن القيادة الحربية.

لذا صدق من قال إن سقوط روما أو الإمبراطورية الرومانية الغربية كانت سبباً في الكثير من الجدل واختلافات الآراء لتصبح حتى اليوم لغز محير.

نظريات المؤرخين المختلفة

عندما تقرأ كتاب جيبون عن سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية. ستجد أنه تكهن بأن المسيحية كان لها دور في هذا السقوط. هذا التكهن تسبب في حدوث الكثير من اللغط بينه وبين المؤرخين الرومانيين بالعصر الحديث. إلا أن الكتاب لم يغفل عن الأسباب الأخرى مثل:

  • هجمات المرتزقة التي قيدت أحلام الحكم الجمهوري،
  • الأباطرة الذين تحولوا إلى لصوص ومغتصبين لثروات المملكة بدلاً من حمايتها والحرص على بقاء هيبتها،
  • كما أن تكتل بعض المؤسسات المندسة داخل القسطنطينية أصابت القوة الحربية بالخور.
  • أما عن الثقافة الرومانية فماذا سيفعل العلماء والحكماء وهم يغرقون داخل أمواج هائجة من صنع البرابرة؟

أما البروفيسور ألكسندر ديماندت (Alexander Demandt). فقد وجد نحو 200 نظرية لها علاقة بانهيار روما. هذه النظريات تم استمداد معظمها من التوقعات والتفسيرات العديدة لسقوط الإمبراطورية الرومانية فيما بعد.

إذ استخدم المؤرخ هاربر بعض تلك النظريات وربطها بالمناخ الروماني. فالمناخ كان دافئ والمياه كانت غزيرة على ضفاف البحر المتوسط خاصة بالفترة التاريخية 200 قبل الميلاد حتى عام 150م. بعدها تدهور الأمر وتفاقم وضع المناخ السيئ بالمملكة حتى ظهر العصر الجليدي بالعصور القديمة المتأخرة.

أما المؤرخ البلجيكي هنري بيرين فهو يرى تصور غريب يشير إلى بقاء الحضارة والثقافة الرومانية في نشاطها حتى بعد عام 476 م. كما أردف أن الحضارة الكلاسيكية والثقافية انتهت بالقرن الثامن. هذا التصور قريب من توقعات المؤرخ جيلين باوروك الذي يرى أن العصور القديمة المتأخرة كانت تقاوم تدهور الحضارة الثقافية بالإمبراطورية.

ليعود هنري بيرين ويحاول إثبات صحة فرضياته. فهو يؤكد أن الحياة الاقتصادية استمرت منتعشة بمنطقة البحر المتوسط الروماني. كما أنها لم تتأثر بالغزوات البربرية كما رجح البعض، لذا فإن السبب في زوال العصور القديمة المتأخرة من وجهة نظر هنري، الفتوحات الإسلامية التي اجتاحت أوروبا بتلك العصور المظلمة.

فتلك الفتوحات كانت السبب في انتعاش الحضارة مرة أخرى. وتحويل العصور المتأخرة إلى عصور وسطى مُفعمة بالثقافة والعلوم.

قوة الإمبراطورية الرومانية

بعد أن تحدثنا عن ضعف وأسباب سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية. لنأخذ جولة تفصيلية مع مظاهر القوة بالعصر الروماني قبل حالة التردي التي تعرضت لها، من أهم هذه المظاهر:

  • امتدت المملكة الرومانية في عهد الحاكم تراجان من أرمينيا للمحيط الأطلسي منذ عام 98 م حتى عام 117 م.
  • المملكة كانت مجهزة بجيش قوي ومنضبط ومُدرب على أعلى مستويات قتالية بدنياً كما امتلك أفضل العتاد والسلاح.
  • كانت المملكة منتعشة بوضع اجتماعي مزدهر. ونظام مدني يحكم بين العامة ومرتكز بالمدن العمرانية المسؤولة عن الصناعة والتجارة واستثمار ثروات المملكة بشكل عادل لجميع المواطنين.
  • كانت جميع الأسر حتى محدودي الدخل يمكنهم الحصول على منتجات المملكة المصنوعة بشكل احترافي دون تمييز، رغم انتشار تجارة الرق والعبودية آنذاك.
  • كان هناك مناصب في الدولة الرومانية تضم أهم الرجال الأرستقراطيين بالجيش والقيادة العسكرية. كما أن نظام جمع الضرائب ساعد في بناء جيش قوي.
  • جميع المتدربين بالجيش من عسكر لمسؤولين لقياديين وكذلك الأرستقراطيين، كانوا يحصلون على مكافآت جيدة بلا تمييز.
  • الديانات في المملكة كانت عديدة، الكثير من السكان كانوا يؤمنون بتعدد الآلهة. رغم هذا كان هناك تسامح ملحوظ في فكرة تقبل الديانات المختلفة، لم يكن هناك أي صراعات دينية أو طمع في الحكم خاصة بعد السيطرة على ثورة باركوخبا وهي نوع من أنواع التمرد الذي قام به يهود المملكة الرومانية سنة 136م.
  • كانت المدن تمتلك مجالس، أعضاء هذه المجالس تمكنوا من اتخاذ قرارات مستقلة، تلك القرارات ساعدت في دعم المستوى المحلي للمملكة.
  • كان الأباطرة بتلك الفترة يمتازون بالرقي والنضج، فلم يكن هناك أي نزاعات أو خلافات على تولي شؤون الإمبراطورية والحكم.

رغم كل هذا التقدم إلا أن دوام الحال من المُحال. فدمار روما وسقوطها بهذا الشكل الفوضوي جعل الكثير من الممالك على مر التاريخ تبحث عن سر هذا التحول السقيم بكل أمور المملكة. رغم ذلك ما زال البحث جاري واكتشاف الأسرار عن سقوط روما يجلب لنا الكثير من المفاجآت يوماً تلو الآخر.

المراجع:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!