أدب وثقافةالتاريخ والحضارة

شمس الدين التبريزي وأشهر مؤلفاته

طاف العالم الإسلامي متنكراً، وكان السبب وراء ظهور أحد أيقونات العشق الإلهي وهو جلال الدين الرومي، وكلنا يسمع عن جلال الدين الرومي، ولكن لم يجتهد البعض في محاولة معرفة من هو صاحب قواعد العشق الأربعين، واليد الخفية خلف إبداعات الرومي إنه العالم الصوفي شمس الدين التبريزي.

ينتمي شمس الدين التبريزي إلى ثالث أكبر الحواضر في الجغرافيا الإيرانية، وهي مدينة تبريز التي كانت عاصمة للعديد من الدول التي حكمت إيران، والتي كان أبرزها دولة الخرفان البيض الآق قويونلو العاصمة الأولى للدولة الصفوية، والتي تقع حالياً في شمال غرب إيران، وتختلط فيها الفارسية بالآذرية لغة أهل المدينة الأصليين، والتي ولد بها عام ١١٨٥م في أواخر عصر الدولة الخوارزمية، ولقب بالتبريزي نسبة للمدينة، بينما اسمه الكامل شمس الدين محمد بن ملك داد.

شمس الدين التبريزي صوفي منذ نعومة أظفاره

كان التبريزي صوفيا منذ نعومة أظافره، فمنذ أن بلغ العاشرة من العمر كان يريد في أحلامه أحلاماً صوفية، وهي رؤى لم يستطع والداه تفسيرها، وعلى الجانب العلمي كان كبار أساتذته في القرآن والفقه هم نجوم الصوفية في زمانه.

ولم تكن الصوفية لهذا الطفل مجرد صوفية علمية، بل كانت سلوك حياة، حيث سلك طريق التقشف والزهد منذ طفولته، والذي وصل إلى امتناعه عن الطعام لعدة أيام، مما ظهر على بنيته الجسدية الضعيفة.

جولات التبريزي

أصبح التبريزي تلميذاً متجولاً منذ صغره، حيث ارتحل إلى أماكن بعيدة داخل الشرق الأوسط من أجل طلب العلم، حيث شملت جولاته سوريا والعراق، والتي زار بهما مدن بغداد وحلب ودمشق والأناضول، حيث زار مدن أرضوم وقيصري وسيواس، وهي المدن التي تقع حالياً في جمهورية تركيا، بينما شملت رحلته غربا مدن أذربيجان الحالية، وكانت من عادات التبريزي في رحلاته أن يخفي هويته على شكل بائع متجول، وامتهن بعض المهن أثناء تنقلاته مثل صناعة السلال وتحفيظ القرآن للصغار، وبرع في هذا المجال، حيث ابتكر أسلوب يعلم به الطفل القرآن كاملا خلال ثلاثة أشهر، واكتسب خلال رحلاته العلمية تبحر في العلوم اللاهوتية والفلسفية وعلوم الكلام “المنطق” ومن العلوم الطبيعية الكيمياء والفلك.

ولم يقتصر شمس الدين التبريزي في رحلته بالبحث عن طلب العلم، ولكنه كان يبحث أيضا عن شيء أسمى من ذلك وهو رفيق درب يستكمل معه رحلته إلى طلب العلم، ولم يكن ذلك مجرد طموح لدى التبريزي، ولكن تحدث صراحة أنه وجد هذا الوعد داخل أحلامه من الخالق -سبحانه وتعالى- بأنه سيظهر له هذا الصديق في وقت ما، وبالفعل وجد ضالته في جلال الدين الرومي.

ما بين التبريزي والرومي

ما بين شمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي
ما بين شمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي

اختلف كلا الرجلين التبريزي والرومي في كل شيء، بداية من السن، حيث كان التبريزي أكبر من الرومي بكثير، وفي أصل كل منهما حيث كان الرومي أفغانياً ينتمي إلى خراسان، ثم استقرت عائلته في قونية التركية، بينما التبريزي ينتمي للثقافة الفارسية الآذرية، وتمتد الاختلافات إلى مكانة كل منهما العلمية، حيث انتمى الرومي إلى طائفة علماء الدين أو ما نسميهم المعممين بمفهومنا المعاصر، فهو إمام وخطيب راجح العقل، يلتف حوله عدد من طلاب العلم ومحبوب وسط طلابه، بينما التبريزي شيخ صوفي متجول لا يلقي بالا لمكانته أو شكله، بل قد يذهب إلى حانة ما دام قلبه يمتلئ بحب الله.

كما تباين موقف كلا الرجلين من الفقراء، فعلى الرغم من أنه لم يخل منه خطبة أو حديث لجلال الدين الرومي إلا وتحدث عن فوائد إكرامهم والعطف عليهم عند الله، إلا أنه لم يقض يوماً مع فقير، ولم يجرب شعور الأمعاء الفارغة الذي يشعرون به، على عكس التبريزي الذي قضى معظم وقته وسط صفوف الفقراء، وعاش معظم حياته بين شكايتهم ورقة حالهم، وتأخر اللقاء الذي حلم به التبريزي حتى بلغ الستين من العمر داخل مدينة قونية التركية عندما التقى جلال الدين الرومي لأول مرة.

اللقاء الذي غير مفهوم العالم عن “العشق الإلهي”

أدى لقاء القمتين إلى تغيير تصورات العالم عن العشق الإلهي والروحانية، ورسم هذا اللقاء مكانة خاصة في عقول الناس، بل نسب البعض بعض قصائد شمس الدين التبريزي إلى جلال الدين الرومي.

لم يمض وقت طويل حتى تحول الرومي من شيخ يعتلي المنابر إلى تلميذ في حضرة أستاذه التبريزي، مما جعله يعتزل طلابه وأسرته، ويفرغ وقته بتصرف التبريزي لينهل منه من بحار الصوفية.

رأي الكثير من معاصري التبريزي أن مذهبه في الصوفية ممتلئ بالبدع التي لم تظهر في مذاهب من سبقوه، ووصل الأمر إلى أنه رموه بالزندقة.

ارتبطت قصص المعجزات والخوارق للطبيعة بعلاقة الشيخين الرومي والتبريزي، وأبرز تلك الخوارق تدعي أن التبريزي جمع كتب الرومي ووضعها في الماء، وعندما انتشلها طلابه فوجئوا بعدم ابتلالها.

المولوية إبداعات إلهام التبريزي

كانت أبرز الإبداعات التي أنتجت بين شمس الدين التبريزي والرومي هي طريقتهم الصوفية التي عاشت بعد وفاتهما بقرون، وتتميز تلك الطريقة بأنها خليط روحي ما بين العبادة وفنون الشعر والنثر الممزوجين بأصوات الغناء والإيقاعات الموسيقية، والتي ظهرت بعد لقاء الشيخين ب ٦ أشهر فقط.

توجت الطريقة المولوية الوليدة، والتي جاء اسمها من كلمة “مولانا” التي أطلقت على جلال الدين الرومي، ما يسمى رقصة الدراويش، وهي عبارة عن رقصات في شكل دائري تجسيد لفلسفة الرومي للانصهار داخل حالة العشق الإلهي، حيث يسير المريد في حركة مشابهة لما تقوم به الأجرام السماوية في السماء لكي يستطيع النهل من بحار العشق الإلهي، وتعتبر تلك الرقصة من الأشياء التي ألهمها التبريزي إلى تلميذه، مع العديد من الأشياء الأخرى مثل القصائد والكتب التي ألفها الرومي.

نهاية التبريزي

أصبح التبريزي هدفاً لصب غضب طلاب الرومي، وذلك لأنهم رأوا فيه أنه سر تحول أستاذهم من عالم مرموق إلى درويش من الصوفية، ولم يكن ذلك شعور طلبة علم الرومي فقط، ولكن شاركهم في هذا السخط أهل مدينة قونية الذين تعلقوا بالرومي، ولذلك لم يتركوا وسيلة لإلحاق الضرر به، سواء بدنياً أو لفظيا إلا وقاموا بها، وأجبرت تلك الحوادث المتكررة التبريزي لحمل عصاه والرحيل عن قونية إلى الشام.

لم يطيق جلال الدين الرومي فراق رفيقه التبريزي، وظهرت عليه علامات ألم غياب شيخه الصوفي بالمرض عليه، فاضطر التبريزي أن يعود إلى رفيقه كرة أخرى رغم ما تحمله من أذى.

تعددت الروايات التي تحدثت عن نهاية التبريزي، فترجع بعضها وفاته إلى تلاميذ الرومي الذين تخلصوا منه بإلقائه في إحدى آبار قونية بعد قتله، وبعضها تشير إلى مقتله، ولكن في مدينة في خوي، والرأي الثالث أن رحلته الأخيرة عادت به إلى خوي، وظل بها حتى وافته المنية.

ادخل المرقد الأخير للتبريزي التاريخ، ولكن من باب آخر، فرغم بساطته حيث يتكون من برج في حديقة تذكارية، إلا أنه أصبح مرشحاً ليكون أحد مواقع التراث العالمي.

كتب شمس الدين التبريزي

من كتب شمس الدين التبريزي
من كتب شمس الدين التبريزي

لا يمكن أن يغفل أي دارس للصوفية عن قواعد العشق الأربعين التي وضعها التبريزي مع تلميذه الرومي وهي عبارة عن أربعين قاعدة للعشق الإلهي وضعها الشيخان على مدار أربعين يوماً، وأصبحت أهم المراجع الصوفية في الاهتداء إلى هذا الدرب من العشق، والتي تحولت فيما بعد إلى رواية للكاتبة التركية إليف شفق تتحدث فيها عن قصة جلال الدين الرومي تحت عنوان قواعد العشق الأربعين.

كانت من المؤلفات الهامة للتبريزي هو ديوانه عن العشق الإلهي، والذي تعددت أسماؤه ما بين ديوان التبريزي أو ديوان العشق أو الديوان الكبير، ومن كتاباته مثنوية مرغوب القلوب، و مثنوي هو نوع من الشعر تتساوى فيه القوافي في كل بيت، وتعود في العربية إلى بشار بن برد في عصر الدولة العباسية، وكتابة مقالات، ومؤلفه “ده فصل”.

المراجع:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى