التاريخ والحضارة

قصة موت ريتشارد قلب الأسد التي لا يعرفها الكثيرون

عندما نتحدَّث عن ريتشارد قلب الأسد نعرف بأنه من أكثر الشخصيات تأثيراً في التاريخ الإنساني. قد تقلَّد هذا اللقب الشهير “قلب الأسد” قبل تتويجه أيضًا كحاكمٍ لإنجلترا. وهذا بسبب ما كان يعرف به من إنجازات عسكرية فائقة. كما يرتبط ريتشارد لدى المسلمين والعرب بقدومه مع فيليب أغسطس القائد الفرنسي في الحروب الصليبية. وكذلك ما كان بينه وبين صلاح الدين الأيوبي من صراعات ظلت معالم يذكرها المسلمون في تاريخهم. وهي ما سنُلقي عليها بعضًا من الضوء في هذا الموضوع.

حقائق عن ريتشارد قلب الأسد

  • نال لقب “قلب الأسد” قبل تتويجه ملكاً بسبب سمعته العسكرية وشجاعته.
  • في الحقيقة كان الملك ريتشارد أحد القادة الرئيسيين والشخصية المركزية في الحملة الصليبية الثالثة. إضافة إلى الإمبراطور الألماني فريدريك الأول (المدعو بربروسا) والملك الفرنسي فيليب الثاني (أغسطس).
  • خلال الحملة الصليبية الثالثة لم يستطع ريتشارد الأول وملوك أوروبا الذين شاركوا بالحملة من احتلال القدس.
  • عندما تولى ريتشارد قيادة الجيش كان عمره 16 عاماً فقط، كان والده هو الملك هنري الثاني.
  • ملك إنجلترا من عام 1189 حتى عام 1199 م.
  • كانت من أعظم طموحات الملك ريتشارد استعادة الأرض المقدسة من خلال حملة صليبية.
  • مثل بقية إخوته، انضم قلب الأسد في تمرد كبير ضد والده الملك هنري الثاني.
  • عندما استولت القوات البريطانية بقيادة الجنرال إدموند اللنبي على مدينة القدس بعد الحرب العالمية الأولى. قامت الصحافة البريطانية بطبع رسوم كاريكاتورية تقوم بتصوير ريتشارد قلب الأسد وهو ينظر إلى السماء مع عبارة “في النهاية أصبح حلمي حقيقة”.
  • كان ريتشارد قلب الأسد معاد للسامية. قام بمنع جميع اليهود من الاحتفال عندما تُوّج ملكاً.
  • استمرت فترة حكمه 10 أعوام. ولكن ريتشارد قضى منها 6 أشهر فقط في إنجلترا بسبب انهماكه الدائم في الحملات الصليبية والحروب الأخرى. لقد قام ببساطة بتعيين مسؤولين مختلفين، بما في ذلك والدته، لإدارة الدولة أثناء غيابه الطويل.

حروبه

تمكن ريتشارد قلب الأسد من السيطرة على مدينة عكا. لتكون شارة انطلاق الحرب بينه وبين القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي. إلا أن صلاح الدين الأيوبي أرغم ريتشارد على إتمام الهدنة لوقف الحرب بين الطرفين لفترة تصل إلى ثلاث سنوات يستريح المسلمون فيها من عناء الحرب والدمار.

وتم توقيع معاهدة الرملة في يونيو 1192، حيث نصت على:

أن يتخلى الصليبيون لصلاح الدين عن عسقلان – القريبة من الأراضي المصرية – وغزة. وأن يبقى الساحل بيدهم من صور إلى يافا بما فيها قيسارية وحيفا. كما يكون للمسيحيين الحرية التامة في زيارة الأماكن المقدسة في القدس دون أن يؤدوا ضرائب للمسلمين، واعتبار السيادة على الأماكن التعبدية حسب الاتفاقية.

اضطر ريتشارد قلب الأسد للقبول بالصلح بعد تفشي الخلاف والتآمر بين عديد من الأمراء الصليبيين، بحدوث الصلح لم يستطع تحقيق رغبته في احتلال القدس، ونوى ريتشارد الإقلاع مرة أخرى إلى إنجلترا، ولكن لظروف الطقس المضطربة لم يتسنَّ له أن يستكمل رحلته البحرية العائدة إلى إنجلترا، فاضطر إلى النزول إلى كورنو، التي كانت خاضعة لسيادة الدولة البيزنطية.

كان الخلاف بين البيزنطيين وريتشارد لم يكن يخفى وقتها بسبب رغبته المستمرة في احتلال أراضيهم، كما تم إلقاء اتهامات إليه في وقت سابق من الحملة الصليبية بأنه يجهز لقتل أمراء هذه الأراضي مثل مدينة صور بما يمهد له غزوها، وبسبب كل تلك الأمور أصبح لزامًا عليه الإبحار مع عدد من مرافقيه إلى إنجلترا.

طريق العودة إلى إنجلترا

أثناء العودة تحطَّمت سفينته، ولم يكن يتوقَّع أحدٌ نجاة ريتشارد قلب الأسد بعد هذه الحادثة بمن في ذلك أخوه. وذلك بسبب أنه لو لم يمت من تحطم السفينة فلن يستطيع الإفلات من الحكام الأوروبيين الذين دبَّروا له المكائد حتى يقع في الأسر.

بالفعل وقع ريتشارد في خضم الأسر الذي فرضه عليه حاكم النمسا ليوبولد، مع أنّ اقتراب ريتشارد بلوغ للأراضي الإنجليزية بعد محاولاته عديدة للهرب من عساكر فيليب أغسطس وأعوان وإمبراطور دولة الرومان، لكنه سقط في يد دوق النمسا، الذي كانت تربطه صلة ود بهنري السادس، فقام بتسليم ريتشارد قلب الأسد إليه مقابل ستين ألف ليرة فضية.

استفاد هنري السادس من ذلك، خصوصًا بعد أن كانت علاقته بريتشارد سيئة. وذلك بسبب كثرة الإنجازات العسكرية لريتشارد قبل الحملة، فقد استولى على بلدان كثيرة جعلت معظم الحكام الأوروبيين ناقمين عليه. وما زاد الأمر سوءًا هو وعد ريتشارد قلب الأسد لأوروبا بأن يعود ومعه مفاتيح القدس بحيث يكون قد هزم كل الجيوش العربية والإسلامية. وهذا ما لم يحدث مما أدى إلى غضب الشعوب المسيحية عليه.

طلب هنري السادس من الإنجليز أن يقدموا فدية ليسلم إليهم ريتشارد قلب الأسد. وبالفعل، عملت والدة الملك ريتشارد على تجميع كل الأموال اللازمة لافتداء قلب الأسد من الأسر. كما أرسلت المبالغ المطلوبة التي وصلت إلى مائة ألف مارك من الفضة. وتم تسليمها إلى الملك الألماني هنري السادس. وبعد سنتين من الحبس تم تحرير ريتشارد في عام 1194 ليعود إلى بلاده.

كيف مات؟

بعد ذلك خاض ريتشارد عديدًا من الصراعات بدأت بالتغلب على تمردات أخيه جون، ومن ثم قام ريتشارد بتقريبه منه وساعده في النزاع مع ملك فرنسا لكي يسترجع ما تم سلبه من أراضٍ تابعةٍ للمملكة الإنجليزية عندما كان واقعًا في أسره.

وفي الخامس والعشرين من مارس عام 1199 م. كان ريتشارد يستعد للسيطرة على إحدى القلاع مع أنّ تجمعات الجنود الغفيرة على الأسوار. التي تستعد للرمي بالسهام، لم يكترث ريتشارد لذلك وواصل استعداده لأن يهاجم القلعة. وحينها قام أحد الجنود برميه بسهمٍ أصاب كتفه أثناء تجوُّله. ليستغل هذا الجندي الموقف ويرميه فتصيبه الرمية لعدم ارتدائه الدروع الواقية.

ومع ذلك لم يكن الجرح شديد الْخَطَر، لكن المشكلة كانت في إسعاف ريتشارد بصورة خاطئة، حيث تم إخراج السهم من جسده بشكل غير احترافي وصحيح، وأدَّى ذلك إلى تلوث الجرح وتحوله إلى غرغرينا تسبَّبت في موت الملك ريتشارد قلب الأسد ليودع العالم وهو بين يدي والدته في السادس من أبريل ليدفن في مدينة نورماندي.

ولكن قبل الوفاة طلب الملك من حاشيته أن يتم إلقاء القبض على قاتله. وهنا كانت المفاجأة بأن القاتل صبي يافع برر رميه للملك بأنه ثأرٌ لمقتل أبيه وأخيه على يد ريتشارد. ومع هذا عفا عنه ريتشارد، بل وأمر بمنحه مائة شلن، ليعيش الصبي حرًّا ويموت الملك.

خاتمة الملك

هكذا كانت خاتمة ريتشارد قلب الأسد لا في معاركه المتعددة لتزويد الرقعة المملوكة للإمبراطورية البريطانية. ولا في الحروب التي خاضها ضد المسلمين والعرب وأضاف إليه شيئًا من القداسة حتى يبرر حدوثها. ولا في طريق عودته إلى بلاده بعد صلح كان أشبه بالهزيمة وانتهت رحلته إلى الأسر. كما لم يمت في نزاعاته مع غريمه الفرنسي فيليب أغسطس. بل لقي مصرعه على يد مجموعة من المُعارضين الشبان له. وذلك كما توقع له صلاح الدين الأيوبي أن عجرفته وتعجله سيكونان سببًا حتميًّا لهلاكه.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!