كتب ورواياتالتاريخ والحضارة

كتب الإمام مالك بن أنس والدول التي تتّبع مذهبه

نتناول من خلال هذا المقال أشهر كتب الإمام مالك وعطائه الزاخر بالمعرفة والعلم. فقد ترك لنا إرثاً عظيماً بعد القرآن والأحاديث الشريفة، مثل كتاب الموطأ والذي يُعد من أشهر كتبه، رسالة الإمام مالك إلى هارون الرشيد، كتاب المدونة الكبرى وغيرها من المؤلفات العظيمة التي سنتحدث عنها باستفاضة.

إذ كان يعتمد في كتابتها على مصادر لا يمكن دحضها. ومنها على سبيل المثال القرآن، السنة، العرف، العادات، الاستصحاب والاستحسان.

من هو الإمام مالك؟

هو أبو عبد الله مالك بن أنس، وُلد عام 93 هجرياً، بمسقط رأسه قرية ذي المروة بالمدينة المنورة. فهو ثاني إمام بالأئمة الأربعة وهم أبو حنيفة النعمان، محمد الشافعي وأحمد بن حنبل ومن أهم المعلومات عنه:

  • حفظ القرآن الكريم ثم الأحاديث النبوية، وبعدها أتقن تعليم أصول الفقه.
  • تابع الصحابة، واستمع إلى آرائهم في أمور الدين منذ الصغر.
  • تتلمذ على يد علماء أفاضل مثل ابن شهاب الزهري والشيخ نافع مولى ابن عمر.
  • شهد بكفاءته 70 رجلاً من رجال العلم عند انتهائه من دراسة علوم الفقه والفتاوى.
  • كان له مقعده الخاص بالمسجد النبوي، وكان يحضره الكثيرون لسماع فتاويه.
  • رغم علمه الشديد، إلا أنه كان يتوخى الحذر في فتواه ودائما ما يردد كلمة “لا أدري”.
  • كان يمتاز بالذكاء والصبر حتى في البلاء، خاصة حينما تم الوشاية عنه للوالي من قِبل الجعفر بن سليمان، فأمر الوالي بضرب الإمام مالك بالسوط.
  • كان أصلع الرأس ويمتلك لحية كثيفة ولا يخفف شاربه
  • بنيته الجسمانية الطويلة والوجه الأبيض المنير وارتداؤه لأفضل الثياب زاد من وقاره وشموخه.
  • من أشهر مؤلفاته كتاب “الموطأ”، الذي قال عنه الإمام الشافعي “ما بعد كتاب الله تعالى كتابٌ أكثرُ صواباً من موطأ مالك”.
  • توفي الإمام مالك بعد عشرين يوماً من المرض بعام 179 هجرياً. تم دفنه بمنطقة بقيع الغرقد بالمدينة المنورة. كما صلى عليه بصلاة الجنازة، أمير المدينة حينها وكان اسمه عبد الله بن محمد.

أشهر كتب الإمام مالك

كتب الإمام المالك الكثير من الكتب من أهمها كتاب الموطأ. معظم كتبه حققت شهرة واسعة، حتى اليوم يتم اتخاذها كمرجع في كل أمور الدين والدنيا، من أهم هذه الكتب:

1. كتاب الموطأ

يعتبر هذا أول كتاب يتناول شرح الأحاديث النبوية المُشرفة. لدرجة أن الكثير من علماء التفسير، قاموا بالاستعانة به من أجل شرح أحاديث الرسول.

له منزلة لا يُضاهيها أي كتاب آخر، يلي صحيح البخاري وصحيح مسلم في الأهمية في شرح الحديث الشريف. يمتاز باجتهاد ملحوظ في جمع كل معلومة به من قبل الإمام مالك.

تم كتابة هذا الكتاب القيم عندما طلب خليفة المسلمين “أبو جعفر المنصور”، من الإمام مالك أن يكون هناك مرجع مكتوب به كل تعاليم أمور الدين والمعلومات، التي تداولتها الصحابة بعد وفاة الرسول.

حرص الإمام على أن يكون هذا الكتاب وسطي، يتم تجنب التعصب والتشدد. لذلك قام بالعمل على الكتاب لمدة أربعين عاماً في دأب ومواصلة دون توقف. ومن ثم أصبح كتاب له مكانة عظيمة ليس فقط عند جمهور القُرّاء، ولكن عند أهل العلم خاصة.

فقد قال عنه ابن مهدي “لا أعلم من علم الإسلام بعد القرآن أصح من موطأ مالك”. وصفه الإمام أحمد بن حنبل قائلاً “ما أحسنه لمن تدين به”. أما الإمام الشافعي فمدحه قائلاً “ما في الأرض كتاب بعد كتاب الله عز وجل أنفع من موطأ مالك”.

يحتوي كتاب الموطأ على:

  • 1270 حديثاً نبوياً شريفاً.
  • 222 حديثاً مرسلاً.
  • 613 حديثاً موقوفاً.
  • 285 حديثاً عن التابعين.
  • 600 حديث مُسند.

وعن سبب تسميته بهذا الاسم، قال الإمام الشافعي إنه عرض الكتاب على الكثير من العلماء، فوصفوه بالسهولة واللين في شرح الأحاديث. مما جعله يُسميه الموطأ أي المُسهل والممهد للشيء.

2. كتاب المدونة الكبرى من أشهر كتب الإمام مالك بن أنس

كتاب فقهي يعتمد على طرح الأسئلة والإجابة عليها. أطلق البعض عليه اسم “الأم أصل المالكية”، لأنه يعتمد على أمهات المراجع الفقهية. في الحقيقة هو ثاني كتاب يحمل شهرة ونبوغ من حيث القيمة بعد كتاب الموطأ للإمام مالك. في الواقع الكتاب ينقل للقارئ الفتوى والأحكام الدينية وكذلك القضاء، ليصبح دائماً متقدماً عن كل كتب الدواوين التي نقلت المعلومات عن الفقه والحديث.

يحتوي كتاب المدونة الكبرى على تصحيح رواية رواها أسد بن الفرات. وهو قاضي القيروان وأحد تلاميذ الإمام مالك. نُقلت هذه الرواية عن بن القاسم، حيث لجأ الإمام مالك للشيخ سحنون، من أجل أن يضع بعض الاجتهادات الخاصة بالفقهاء وتصحيح تلك الرواية، من خلال إزالة الزوائد وإكمال النواقص. ومن ثم أصبحت الرواية سليمة وصالحة للتقديم بالكتاب.

تم طباعة هذا الكتاب في 8 مجلدات عظيمة بمدينة القاهرة. يعتبر من وجهة نظر العلماء من أهم الكتب التي عرضت أدلة مؤكدة نابعة من القرآن والسنة، حتى إن هناك علماء كرسوا جزءاً كبيراً من حياتهم في تأليف شروحات عن المدونة الكبرى. ومنها على سبيل المثال كتاب الطراز الذي قدمه الشيخ سند بن عنان المصري.

3. كتاب رسالة الإمام مالك إلى هارون الرّشيد

من أشهر كتب الإمام مالك قدم من خلاله الموعظة الحسنة، بجانب الأدب والتوجيه السليم للحاكم هارون الرشيد ووزيره يحيى بن خالد البرمكي. كما ركز في كتابه على الحديث الذي يقدم الوعظ، مثل الحديث الشريف “مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ”.

رغم ذلك واجه الكتاب انتقادات شديدة من بعض العلماء مثل أبي محمد بن أبي زيد والشيخ إسماعيل القاضي، كما أكد القاضي عياض أن هناك شيوخاً لم يستطيبوا الكتاب وقالوا إن به أحاديث ضعيفة عن الرسول لا نعرفها.

وقال الشيخ أبو بكر الأبهري وهو شيخ المالكية بدولة العراق، أن كتاب “رسالة الإمام مالك إلى هارون الرّشيد” يحتوي على أحاديث، حتى الإمام مالك لو علمها لأنكرها، لأنها منكرة وضد الأصول.

4. كتاب العوالي

هذا الكتاب به أكثر من نسخة، إلا أن نسخته الأصلية مكونة من أربعة أجزاء. فقد نقل من خلاله الإمام مالك الكثير من علم الحديث عن أفضل رواة الأحاديث ودرجاتهم. بما في ذلك المُحدث وهو المتقن لعلم الحديث رواية ودراية، الحافظ الذي (وفقا لبعض العلماء) يحفظ 300 ألف حديث عن ظهر قلب، الحاكم وهو من يعلم كل ما يُخص علم الحديث والسنة.

فقد استغل الإمام مالك قُربه من الصحابة وهو صغير السن ونقل علمهم وتفسيرهم للحديث. ومن ثم كتب كتاب العوالي الذي تم تسميته بهذا الاسم بسبب صدق محتواه. حتى إنه اقترب من نسخ كلام الرسول كما قاله بالأحاديث، كما أنه أضاف بعض الأحاديث التي لم يتناولها بكتاب الموطأ.

5. رسالة الرد على القدرية

هذا الكتاب يعتبر مراجعة شاملة من الإمام مالك لجميع مؤلفاته. كما قيل إن رسالة الإمام مالك بالكتاب شملت مناقشة أثر كتاب سير أعلام النبلاء، الذي كتبه الإمام شمس الدين الذهبي، بجانب توجيه رسالة أخرى إلى عبد الله بن وهب، الذي ظل ملازماً للإمام مالك عشرين عاماً، حتى إنه أصبح فقيهاً مالكي بالعصر العباسي.

6. كتاب اعتقاد الإمام مالك

جمع هذا الكتاب جميع الأقوال المأثورة المرتبطة بالعقيدة التي كان الإمام مالك مؤمن بها. لذلك تجد في هذا الكتاب الرأي الراسخ والقول الحكيم، الذي نتج عن تأثر الإمام مالك وهو يجمع معلومات عن علم الحديث والسنة. من أهم الأقوال الموجودة بالكتاب، تعريف لأهل السنة حيث قال “أهل السنّة: هم الذين ليس لهم لقبٌ يعرفون به، لا جهمي ولا رافضي ولا قدري”.

7. كتاب تفسير غريب القرآن

هذا الكتاب هام وتاريخي، لكن يتم طباعته اليوم تحت اسم “مرويات الإمام مالك”. إذ ينقل للمُتلقي التفسير المأثور للقرآن. كما يحاول أن يجمع بعض الأمور المفقودة بالتراث الإسلامي والعلمي. وأيضا يتطرق إلى مراحل كتابة كتاب الموطأ، الرحلة الطويلة في جمع كل المعلومات الموثوقة وعدم الاكتراث لأي معلومة لا تحتوي على سند صحيح.

8. كتاب السير

تناول الإمام مالك في هذا الكتاب السيرة النبوية الشريفة، إلا أن هناك الكثير من اللغط حول صحة نسب الإمام مالك له. في الحقيقة دحض “كتاب الديباج المُذهب في معرفة علماء أعيان المذهب” صحة أن يكون كتاب السير من تأليف الإمام المالك. كما تم التشكيك في اسم الكتاب، إذ يُرجّح أن يكون اسمه كتاب السر بدلاً من السير.

أما الإمام الذهبي والقاضي عياض والمؤرخ جلال الدين السيوطي، فقد أثبتوا صحة نسب الكتاب للإمام مالك. لذلك أكد السيوطي في كتابه “تزيين الممالك بمناقب الإمام مالك” على ملكية الإمام مالك للكتاب.

مذهب الإمام مالك اليوم

بعد أن تحدثنا عن أشهر كتب الإمام مالك، فإلى أي مدى انتشرت هذه الكتب بالعالم الإسلامي من الشرق حتى الغرب؟

  • المدينة المنورة: يعتبر المذهب المالكي هو صاحب الصدارة، حتى قام الباحث ابن فرحون وهو عالم مغربي الأصل، بنشر فقه عبد الله بن عباس ابن عم الرسول بالمدينة.
  • المغرب: تحترم المذهب المالكي ومن بعده المذهب الظاهري. وهو الذي يتبعه أهل السنة؛ لأنه نابع من الصحابة والتابعين.
  • مصر: سمحت بوجود الكثير من علماء المذهب المالكي، بالإضافة لتلاميذ الإمام مالك مثل ابن القاسم وابن وهب بالبلاد. أثّر مذهب الإمام الشافعي في المصريين ونال شهرة واسعة دفعتهم لتشييد مقام له، على يد خامس سلاطين الدولة الأيوبية “الحاكم الأيوبي”.
  • مكة المكرمة: لم يستطع المذهب المالكي أن يتصدر بمدينة مكة المكرمة، بسبب سيطرة مذهب ابن عباس كحال المدينة المنورة.
  • أفريقيا: كانت في البداية تعتمد على مذهب أبو حنيفة النعمان، حتى أصبح المعز بن باديس الصنهاجي ملك أفريقيا والقيروان. فقرر اعتماد مذهب المالكية بالبلاد.
  • بلاد الأندلس: كانت تتّبع مذهب الفقيه المستقل عبد الرحمن الأوزاعي. إلا أنه وبعد انتهاء حكم الأمير هشام بن عبد الرحمن (ثاني أمراء الدولة الأموية بالأندلس)، بدأت اتِّباع المذهب المالكي.

في الختام، ذكرنا أهم كتب الإمام مالك بن أنس والدول التي تتبع مذهبه اليوم. وأيضا أوردنا نبذة بسيطة عن سيرته الذاتية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!